بيروت - لبنان

اخر الأخبار

31 تشرين الأول 2025 12:00ص ليس السلاح وحده من يردع إسرائيل

حجم الخط
د. جيرار ديب

قدّم وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، الخميس 23 تشرين الأول الجاري، اعتذاره من المملكة العربية السعودية بعد تصريح مهين بحقها.
وعبر حسابه على منصة «إكس»، كتب سموتريتش «لم يكن تصريحي بشأن السعودية موقفاً بالتأكيد وأنا آسف للإهانة التي سببتها». وجاء ذلك بعد غضب كبير أثاره وزير المالية الإسرائيلية إثر تصريح قال فيه «إذا قالت لنا السعودية، تطبيع مقابل دولة فلسطينية، أيها الأصدقاء، لا شكراً، استمروا في ركوب الجمال في الصحراء في السعودية».
تصريح سموتريتش «اللامسؤول» والذي لا يعبّر إلّا عن جهل قائله وحقده، دفع به إلى الاعتذار، أو بالأحرى، «أجبر» على ذلك من قبل المعنيين، تحديداً الأميركي الذي عبّر نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس عن إن حكومة بنيامين نتنياهو، أصبحت «غير منضبة»، وقد تأخذ بقراراتها إسرائيل إلى حيث لا تتمناه إدارة بلاده.
كما وعبّر فانس عن أسفه حول القرار الذي اتخذّه الكنيست الأربعاء 22 تشرين الأول، والذي يقضي بـ«ضمّ الضفة» إلى إسرائيل. هذا ما دفع بالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للتدخّل شخصياً وإطلاق تصريح يوضح رفض بلاده مطلقاً لمثل هكذا قرار، معتبراً أن السير فيه سيخّسر إسرائيل الحضانة الأميركية، هذا ما أكده في حديث لمجلة «تايم» الأميركية.
إن قرار ترامب رفض الضم، أتى نتيجة تنفيذ لما وعد به أمام مجموعة الزعماء للدول العربية والخليجية الذين التقى معهم على هامش اجتماعات الأمم المتحدة بشأن غزة في أيلول الماضي. هذا ما يجد فيه البعض موقفاً أميركياً ضاغطاً لردع نتنياهو عن حربه في غزة، وحثّه على التخلّي عن فكرة القبول بمشاريع استيطانية إسرائيلية جديدة تعمد على ضمّ الضفة الغربية.
أمام الوعد الترامبي لزعماء الدول العربية، وضع نتنياهو في حالة «فريدة» وجديدة أمام الرأي العالم الإسرائيلي والعالمي، معتبراً إن تصويت الكنيست بالقراءة التمهيدية على مقترحي ضم الضفة الغربية كان «استفزازاً سياسياً متعمّداً» من قبل المعارضة بهدف إثارة الانقسام تزامناً مع زيارة نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس.
تعيش الحكومة الإسرائيلية حالة من «التلبك» لم تشهدها من قبل، وهذا إن دلّ على شيء، فعلى إن المواقف الواضحة للدول العربية والخليجية تحديداً استطاعت إرباك الموقف الإسرائيلي، تحديداً من باب رفع منسوب القدرة التأثيرية التي تشكّلها على إدارة الرئيس ترامب، وهذا ما لم تعتد عليه إسرائيل منذ تأسيسها، إذ لم تعد هي الإبن المدلل للولايات المتحدة الأميركية.
لم يكن اعتذار سموتريتش يتيماً، بل سبقه رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، الذي اتصل برئيس وزراء دولة قطر ووزير خارجيتها، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وقدّم له اعتذاراً بعد ثلاثة أسابيع من الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قادة حركة حماس في الدوحة في 9 أيلول الماضي.
إن الحضور القطري في العالم على مختلف الصعد لا سيما الإعلامي عبر الإضاءة على جرائم إسرائيل في غزة، والدور الذي تؤدي برعاية سمو أميرها، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، من خلال مدّ جسور السلام والتلاقي بين الدول، ومركزها الاقتصادي العالمي، جعل منها دولة مقاومة في الصفوف الأمامية على القضايا العربية على رأسها فلسطين وسوريا ولبنان. هذا ما جسّده الموقف الأميركي الواضح بعد الاعتداء الإسرائيلي «السافر» على الدوحة، إذ ذهبت واشنطن بعيداً في قراراتها إلى اصدار رئيسها قراراً تنفيذياً بالدفاع المباشر عن دولة قطر أمام أي اعتداء.
استطاعت دول الخليج العربي أخذ إسرائيل إلى تقديم الاعتذار في سابقة لم يشهدها تاريخ الدولة العبرية، هي التي لم تخوض معها الحروب العسكرية المباشرة. لكنها أدركت كيفية التعاطي معها على قاعدة ان الحرب الأساسية مع إسرائيل هي مع داعميها وليس مع هذا الكيان مباشر. هذا ما دفعها إلى احداث التغيير في قواعد اللعبة على اعتبار أن الحرب مع إسرائيل يجب أن تكون التأثير على عرّابها المباشر المتمثل في اللاعب الأميركي.
قد تكون للمقاومة العسكرية من دور في عرقلة مشاريع العدو، إلّا أنّ حرب السنتين الأخيرة التي قام بها إسرائيل على إيران ووكلائها في المنطقة، وفي أكثر من جبهة بدءاً من غزة وصولاً إلى الحرب الـ12 يوما بين إيران وإسرائيل، ثبّتت إنه «ليس بالسلاح وحده من يردع إسرائيل». فهي أيضاً تمتلك الأسلحة، ولديها تقنيات تكنولوجيا عالية بحيث لم ترتدع من قبل إيران وحلفائها، بل على العكس كان السلاح حافزاً لارتكاب المجازر والاعتداء على الدول. لهذا اتجهت دول الخليج العربي، على رأسهم دولة قطر، إلى تشكيل «لوبي خليجي» فاعل ومؤثر في مركز القرار الأميركي والغربي، ويشكّل عقبة في وجه «اللوبي الصهيوني» الذي، على ما يبدو، بدأ يخسر الكثير من نفوذ له في دوائر القرار.
لم تعرف الحكومة الإسرائيلية تطرفاً يمينياً كما حال حكومة نتنياهو التي تضم مجموعة من الوزراء الموتورين التي تطلق تصريحات غير مسؤولة تجاه الدول. فحالة الإرباك التي وصلت إليها، يعود إلى قوة النفوذ والحضور الخليجي والعربي، التي استفادت من حالة التشرذم والضياع في الساحة الدولية لتؤكد أنها قوة في المنطقة لا يمكن القفز فوقها أو تهشيمها.