فؤاد بوجي
تشير أدبيات علم الاجتماع السياسي إلى أن المزاج الحقيقي للمجتمعات لا يُقاس دائماً بما تقوله النخب أو الأصوات الأكثر صخباً، بل بما تريده الأغلبية الأوسع التي قد لا تمتلك المنابر نفسها للتعبير عن تطلّعاتها. وفي لبنان، حيث تحتل السجالات السياسية مساحة واسعة من المشهد العام، يبرز سؤال أساسي يستحق التوقف عنده: ماذا تريد الأغلبية الصامتة من السياسة اللبنانية؟
هذه الأغلبية لا تظهر كثيراً في البرامج الحوارية، ولا تتصدر المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تملك منابر سياسية أو إعلامية خاصة بها. لكنها موجودة في كل مدينة وقرية وحي ومؤسسة. وهي تضم الموظف الذي ينتظر راتباً يكفيه حتى نهاية الشهر، وصاحب المؤسسة الذي يبحث عن الاستقرار ليستمر في عمله، والطالب الذي يفكر بمستقبله، والعائلة التي تخشى أن ينضم أبناؤها إلى موجات الهجرة المتواصلة.
وعلى الرغم من التنوّع السياسي والطائفي والفكري الذي يميّز المجتمع اللبناني، فإن هناك قاسماً مشتركاً يكاد يجمع بين معظم اللبنانيين: الرغبة في حياة طبيعية. فالأغلبية الصامتة لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن انتصارات خطابية، ولا تنتظر معجزات سياسية. إنها تريد دولة قادرة على القيام بوظائفها الأساسية، ومؤسسات تعمل بكفاءة، واقتصاداً يوفر فرص العمل، وأمناً يحمي المواطنين، واستقراراً يسمح للناس بالتخطيط لمستقبلهم.
خلال العقود الماضية، انشغل اللبنانيون بكثير من العناوين الكبرى: الحروب، الأزمات، الانقسامات، التسويات، الصراعات الإقليمية، والاصطفافات السياسية. لكن التجارب المتراكمة أظهرت أن المواطن العادي يقيس نجاح السياسة بمعايير مختلفة تماماً. فهو لا يسأل فقط من انتصر ومن خسر، بل يسأل: هل تحسّنت حياتي؟ هل أصبحت الخدمات أفضل؟ هل أصبحت فرص العمل أكثر؟ هل أصبح مستقبل أولادي أكثر أمناً؟
ومن هنا تبدو الفجوة واضحة أحياناً بين أولويات الخطاب السياسي وأولويات المواطنين. فبينما تدور النقاشات حول التوازنات والتحالفات والمواجهات، ينشغل كثير من اللبنانيين بأسئلة أكثر بساطة وأكثر إلحاحاً: كيف يمكن وقف نزيف الهجرة؟ كيف يمكن جذب الاستثمارات؟ كيف يمكن دعم التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية؟ وكيف يمكن تأمين الخدمات الأساسية التي يعتبرها المواطن في أي دولة أمراً طبيعياً لا إنجازاً استثنائياً؟
وربما تكون المفارقة الأكبر أن الأغلبية الصامتة اللبنانية أصبحت أكثر واقعية من كثير من الخطابات السياسية المتداولة. فهي لا تطالب بانتصارات كبرى ولا بشعارات استثنائية، بل تطالب بما تعتبره معظم دول العالم أموراً بديهية: الأمن، والاستقرار، وفرص العمل، والخدمات الأساسية، ودولة تؤدي وظائفها الطبيعية بكفاءة وعدالة.
ولا يحتاج المرء إلى استطلاعات معقّدة لاكتشاف هذه الأولويات. يكفي الاستماع إلى أحاديث الناس اليومية. فالشاب اللبناني يفكر بفرصة عمل تسمح له بالبقاء في وطنه بدل البحث عن مستقبل في الخارج. وصاحب المؤسسة يبحث عن بيئة مستقرة تشجعه على التوسع والاستثمار. والعائلات تريد مدارس وجامعات قادرة على تأمين مستقبل أبنائها، كما تريد بنية تحتية وخدمات عامة تواكب أبسط متطلبات الحياة الحديثة. هذه ليست مطالب فئوية أو سياسية ضيقة، بل تعبير مباشر عن تطلعات مجتمع يبحث عن الاستقرار والفرص.
لا يعني ذلك أن القضايا السياسية الكبرى فقدت أهميتها، بل يعني أن قيمتها الحقيقية تُقاس بمدى انعكاسها على حياة الناس. فالدبلوماسية الناجحة هي التي تفتح أبواب الاستقرار، والسياسة الناجحة هي التي تعزز الاقتصاد، والدولة القوية هي التي يشعر المواطن بوجودها في حياته اليومية لا فقط في البيانات والخطابات.
ولعلّ أهم ما تريده الأغلبية الصامتة اليوم هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الحلول. فقد اعتاد اللبنانيون على التكيّف مع الأزمات، لكنهم يتطلّعون إلى مرحلة يكون فيها الحديث عن التنمية والإنتاج والإصلاح جزءاً من الحياة السياسية اليومية، لا مجرد شعارات موسمية تظهر عند كل استحقاق.
كما أن هذه الأغلبية تدرك أن الاستقرار ليس نقيض السياسة، بل أحد أهم شروط نجاحها. فالمجتمعات لا تزدهر في ظل القلق الدائم، والاقتصادات لا تنمو وسط الضبابية المستمرة، والدول لا تتقدم عندما تبقى أسيرة إدارة الأزمات من دون أفق واضح للمستقبل.
ربما لا تتحدث الأغلبية الصامتة بصوت مرتفع، لكنها ترسل رسائل واضحة لكل من يريد أن يسمعها: نريد دولة تعمل، ومؤسسات قوية، وفرصاً للشباب، وتعليماً جيداً، واقتصاداً منتجاً، واستقراراً يحمي الإنجازات بدل أن يبدّدها. وهذه المطالب ليست برنامجاً سياسياً لفريق دون آخر، بل هي القاعدة المشتركة التي يمكن أن يلتقي حولها معظم اللبنانيين مهما اختلفت آراؤهم وانتماءاتهم.
وفي النهاية، قد يختلف اللبنانيون حول كثير من القضايا، لكنهم يكادون يتفقون على أمر واحد: أن السياسة في جوهرها ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحسين حياة الناس. وعندما تنجح السياسة في تحقيق هذا الهدف، تكون قد لبّت فعلاً ما تريده الأغلبية الصامتة.