بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 تشرين الأول 2025 12:00ص مداواة الجراح

حجم الخط
تنصرف «حماس» في اليوم التالي، للملمة جراحها. تأخذ إجازتها من الحرب التي استجرّتها إليها، نفسها بنفسها في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣. أمامها أكثر من سبعين مليون طن من الركام، وأمامها أكثر من ثلاثة ملايين من الغزيين الفلسطينيين بلا طعام، وأمامها القوى الفلسطينية الناهضة على الأرض لمواجهتها، وأمامها الترسانة العسكرية الإسرائيلية، التي تنتظر كلمة من الرئيس دونالد ترامب، لمعاودة الحرب عليها، وأمامها تنفيذ الوعود بتسليم جميع الجثامين، دون تحايل ودون تذاكي مع «الذؤبان»، بعدما كانت قد أطلقت جميع المحتجزين، ولم يعد هناك منهم، من تحتفظ به للمراهنة، لتفقأ به عين الشيطان.
تقف اليوم «حماس» عارية في مواجهة المجتمع الفلسطيني، وفي مواجهة المجتمع العربي. يقولون لها: ماذا فعلت بنا؟ تقف أيضا في مواجهة السؤال الإسلامي، من جميع دول العالم الإسلامي جميعا، الذي شبّت عن طوقه، فما كانت تدير له أذنا صاغية لجميع مناشداته، لجميع تحذيراته، من الخطوات التي خطّتها في جرِّ البلاء الأعظم على البلاد والعباد، وعلى الفلسطينيين والعرب والمسلمين أجمعين.
تقف اليوم «حماس» عارية، في مواجهة التهديد والوعيد يوميا، بأنها تحت الأعين الإسرائيلية الحمراء، وبأنها في مرمى نيرانهم التي تطالهم أينما كانوا مختبئين، في داخل غزة والقطاع، أو في خارجه على الإطلاق. وتسمع بأذنيها، وترى بأمّ أعينها غضب الرئيس دونالد ترامب عليها، وأن إسرائيل لا تنتظر إلْا كلمة واحدة منه.
حقا «حماس» اليوم وجميع قياداتها، قد أفردوا «إفراد البعير المعبد». ما عاد الإيرانيون من حماتها، وما عاد الحوثيون إلى جانبها، ولا عادت وحدة الساحات بنافعة لهم. جرّبوا كل الأسلحة، وساروا في جميع الطرق، واستعملوا كل أوراقهم. وأما البوصلة التي يسترشدون بها اليوم، فهي تشير عليهم، بترك السلاح جانبا، والتمسّك بغصن الزيتون الذي أودعه الرئيس الرمز أبو عمار في يدهم.
«حماس» جرّبت جميع أوراق المناورات: الذهاب بالصولد إلى الحرب، والذهاب إلى المفاوضات وهم عراة. وهي اليوم على المحك. فقادتهم مجرّبون وأذكياء وعقلاء، وهم يعرفون كيف يخسرون، وهم يعرفون كيف يربحون. وأما الفرقاء الوسطاء بينهم وبين الإسرائيليين، فهم على قدر عظيم من النزاهة. فما باعوهم، كما جرى لهم، وما تأخّروا بهم. ولا قايضوا عليهم، ولا عرف عنهم، أنهم يدخلون في مساومة عليهم مع أعدائهم.
كانوا إلى جابهم في أشدّ الأوقات حراجة، واختلطت دماؤهم بدمائهم، وما تلكأوا عنهم ولا تكأكأوا.
«حماس» تعرف اليوم بعد طول تجربة، طريق الرشد. وأنه ليس لها إلّا هذا النجد. فعليها أن تهبّ لمداواة الجراح، وأن تختار أقصر الطرق وأسلمها، للخروج بشعبها إلى بر الأمان، ما دامت مؤمنة بربها. فلم يعد أمامها الكثير من الوقت للمناورة، وما عاد الشعب الغزاوي الفلسطيني البطل بقادر على تحمّل المزيد من الدمار، ولا على السير في طريق الهلاك.
أحرى بـ«حماس» اليوم أن تستلهم من سيرة الصحابة كيف تقبّلوا «مغادرة أحد» بجراحهم، ليستأمنوا ويرتاحوا قليلا، وليفكّروا كثيرا. فما يترك تحت السلاح، يمكن أن يستعاد بالمفاوضات التي تؤدي إلى الأمان، إذا ما احسنوا طريق المفاوضات. وأما الساعة، فساعة مداواة الجراح!

* أستاذ في الجامعة اللبنانية