في مثل هذه الايام من العام الماضي، كان لبنان يعيش مرحلة طويلة من تعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية، يتولاها الثنائي الشيعي، نواب حركة وحزب الله، بالتكافل والتضامن بينهما، لفرض مرشح رئاسي يناسب مصالحهما، الشخصية والاقليمية، بالرغم ما سببه التعطيل من اضرار بالغة على اللبنانيين، وكانت الذرائع جاهزة وغُب الطلب لتبرير هذا التعطيل، وتتراوح تارة بين وجوب اجراء حوار مسبق بين الاطراف السياسيين، للاتفاق على اسم الرئيس، وتارة اخرى كان يشترط انتهاء حرب غزّة لفك عقدة التعطيل، كما كان يتبجح بذلك مسؤولو الحزب ونوابه علانية، في حين لم تكن كل هذه الذرائع مقنعة، بل كانت مضيعة للوقت وللتهرب من اجراء انتخابات رئاسية، لا تصب في مصلحة الحزب والنظام الايراني.
والنتيجة ان لبنان، بقي من دون رئيس للجمهورية، واللبنانيون عانوا كثيرا جراء الفراغ الرئاسي، في ظل تدهور الاوضاع، واشعال الحروب التي طوقت لبنان من جوانب.
اليوم انقلبت الادوار، وبات نواب الثنائي، يشكون من لجوء النواب المعارضين لهم، الى تعطيل الجلسات التشريعية، اعتراضا على رفض رئيس مجلس النواب ادراج مشروع قانون انتخابات جديد، لتعديل القانون الحالي وقَّع عليه ٦٧ نائباُ، لافساح المجال امام المغتربين بالخارج لانتخاب من يختارونة من مجموع ١٢٨ نائباً، وليس ستة نواب كما هو في القانون الحالي، لانه ضمن حساباتهم وتوقعاتهم، سيؤدي الى تغيير جذري بالخريطة النيابية، لن تكون لصالحهم، ومن المرجح ان تحدث تبديلا في توزيع المقاعد النيابية يمهد الطريق لوصول نواب جدد خارج اطار سيطرتهم ونفوذهم.
انتهج نواب حركة امل وحزب الله اسلوب تعطيل المجلس النيابي مراراً خلال العقدين الماضيين، وكانوا السباقين اليه في ممارساتهم، إن كان بسعيهم لتعطيل انتخابات رئاسة الجمهورية لاكثر من مرة، او لتعطيل انشاء المحكمة الدولية، المخصصة لمحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فيما كانوا يصمُّون آذانهم عن المناشدات والدعوات المتكررة من اكثرية النواب واللبنانيين، لفك اسر المجلس وتمكينه من ممارسة دوره التشريعي بشكل طبيعي وكالمعتاد، لمصلحة لبنان كله.
تبادل الادوار بتعطيل المجلس النيابي، من قبل اي طرف او تكتل نيابي، ومن جميع الاطراف، انتصارا لهذه القضية او تلك، وبما يعتقده البعض بأنه يصب في مصلحته، بينما تعتبره باقي الاطراف بأنه ينعكس عليها ضررا، ولكنه بالنهاية يرخي بمشاعر الاستياء والاسى في النفوس.
يبقى تعطيل المجلس النيابي في النهاية، ممارسة وإن كانت دستورية، ولكنها اذا كانت تؤدي الى تصويب الامور، وتصبٌّ في مصلحة الناس والبلد. أما اذا كانت تهدف لمصالح شخصية او خدمة للخارج، كماحدث مرارا خلال السنوات الماضية، فهي مؤذية بحق البلد ومصالح الناس عموماُ كما حصل على ارض الواقع.