د. مازن جبري
تتشابك الجغرافيا مع الاقتصاد ويتداخل الاقتصاد بالسياسة كتشابك وتداخل العديد من العلوم بعضها بالبعض الآخر، هذا التداخل أوجد حلقة ثلاثيّة الأبعاد يعكسها مضيق هرمز جغرافياً، اقتصاديًا وسياسياً في الحرب الأميركية - الإيرانيّة الحاليّة.
هذا الصراع لا يُقاس فقط بموازين القوة العسكرية، بل بقدرة الأطراف على التحكّم بـهذا «الممرالضيق» الذي يختزن الإوكسيجين الاقتصادي والنفطي عند الاختناقات الاقتصاديّة والحروب التوسعيّة.
ان مضيق هرمز ليس مجرد شريان بحري، بل هو أداة تفاوض وضغط وتأثير قد يُطيح بالبيانات الدبلوماسية لأنه أشدّ فعالية وأقوى على الطاولة التفاوضية في إسلام أباد.
ذلك أدّى الى إرباك في واشنطن حيث مركز صناعة القرار العالمي، وفرض العقوبات الاقتصادية، والتحالفات العسكرية، والضغوطات الدبلوماسية وحيث تُرسم الاستراتيجيات وتُدار شبكات النفوذ التي رغم اتساعها تواجه حدوداً واضحة حين تصطدم بجغرافيا معقدة وأبرزها مضيق هرمز.
هذه الجغرافيا الضيقة ذات تأثير عالمي واسع, تمرّ عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط، ما يجعله شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي. لكن هذه الأهمية تمنحه بُعداً سياسياً مضاعفاً؛ فالدول القادرة على تهديد أمنه تمتلك ورقة ضغط سياسيّة استراتيجية.
في هذا السياق، يتحوّل المضيق من موقع جغرافي اقتصادي تجاري حيوي إلى عنق زجاجة سياسي تفاوضي غير معلن. بمعنى أي تهديد بإغلاقه، أو حتى زعزعة أمنه، يترجم فوراً إلى ارتفاع في أسعار الطاقة وقلق في الأسواق العالمية. هنا تكمن قوة الطرف الإقليمي أو إيران ليس في التفوّق العسكري بل في القدرة على تعطيل سيرورة وانتظام الاقتصاد الدولي.
فالتفوّق العسكري لا يضمن السيطرة الكاملة على نقاط الاختناق، والتفوّق الاقتصادي لا يمنع الأطراف الأخرى من استخدام وسائل غير تقليدية للضغط. من هنا، تجد واشنطن نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحافظ على حرية الملاحة دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة؟
في هذه الفترة بالذات إن التصعيد العسكري يعتبر مكلفاً للطرفين, هذا ما دفع الرئيس ترامب بتبليغه الكونغرس الأميركي أن الحرب مع إيران إنتهت. هذا لا يعتبر تراجعاً بل يُفسَّر بأن الضرورات الاقتصادية تفرض نفسها كمعيار أساسي لا يمكن تغافله أو تجاهله وأي خطأ في الحساب قد يؤدي إلى انسداد كامل لهذا المضيق. لذلك، تميل الأطراف إلى إدارة التوتر بدل حلّه، وإلى استخدام الرسائل غير المباشرة بدل المواجهة المباشرة.
عادةً لا تُدار المفاوضات دائماً على الطاولة، بل عبر:
• تحركات عسكرية محسوبة.
• تصريحات إعلامية مدروسة.
• رسائل عبر وسطاء إقليميين ودوليين.
من هنا يمكننا إعتبار أن كل حادثة في المضيق، وكل بيان سياسي، جزءاً من عملية تفاوض مستمرة. إنها دبلوماسية «الضغط المتبادل» حيث لا يُعلن الاتفاق، بل يُفهم ضمنياً.
إن الدول الصغيرة في المنطقة، ومنها لبنان، تجد نفسها داخل هذا المضيق التفاوضي دون أن تكون طرفاً أساسياً فيه. فكل تصعيد في هذا المضيق ينعكس توتراً اقتصادياً يتجسّد في ارتفاع أسعار الطاقة وضغوطاً سياسية داخلية وزيادة في هشاشة الاستقرار وبذلك يتحوّل الصراع بين القوى الكبرى إلى عامل ضغط إضافي على الدول الصغيرة، التي تدفع ثمن التوازنات الدولية دون أن تشارك فعلياً في صنعها.
ختاماً من يسيطر على المضيق يملك ورقة التفاوض وتكشف هذه المعادلة حقيقة أساسية في السياسة الدولية أن القوة ليست فقط في امتلاك القرار، بل في القدرة على تعطيله.
فواشنطن تقود النظام العالمي، لكنها لا تتحكّم بكل مفاصله، بينما يملك الطرف الإقليمي أو إيران بعض أدوات تعطيل تجعل أي قرار عرضة لإعادة التفاوض. وبين هذين الطرفين، يبقى العالم عالقاً في «مضيق» لا يُغلق بالكامل ولا يُفتح نهائياً، بل يُدار بحذر دائم.