إلياس فرحات(*)
من مضيق هرمز إلى نهر الليطاني في جنوب لبنان، ومن العقوبات إلى الأصول المجمدة: مكاسب متبادلة بين واشنطن وطهران، لكن هل تمتلك إسرائيل القدرة على تعطيل الاتفاق قبل أن يتحوّل إلى تسوية نهائية خلال ستين يوماً من تاريخ توقيعه؟
في السادس عشر من حزيران/يونيو، فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان العالم بتوقيع مذكرة تفاهم أميركية – إيرانية على هامش قمة مجموعة السبع في قصر الفرساي، وذلك قبل يومين من الموعد الذي كان قد أعلن عنه سابقاً. المذكرة ليست اتفاقاً نهائياً، لكنها ليست إعلان نيّات عابراً أيضاً. فهي تتألف من أربعة عشر بنداً تغطي معظم ملفات النزاع بين البلدين، من وقف الحرب والعقوبات والبرنامج النووي إلى مضيق هرمز، والأصول الإيرانية المجمدة، ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في محيط إيران. والأهم أنها تمتد إلى الساحة اللبنانية، بما يجعل لبنان جزءاً من معادلة إقليمية أوسع تتجاوز بكثير ملف الحدود الجنوبية أو ترتيبات وقف إطلاق النار.
لبنان في قلب المذكرة
أول ما يلفت الانتباه في النص هو إشارته إلى «الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما في الحرب الحالية»، وإلى إنهاء فوري ودائم للحرب «على جميع الجبهات بما فيها لبنان». لا تسمّي المذكرة هذه القوى الحليفة، لكنها تسمح باستنتاج أن واضعيها يفترضون وجود أطراف غير حكومية ودولية معنية بمفاعيل الاتفاق، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وتكتسب الإشارة إلى لبنان أهمية إضافية من خلال تعهد الطرفين ضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها. وفي القانون الدولي، ترتبط سلامة الأراضي عادة بعدم جواز اقتطاع أجزاء من أراضي الدول أو استمرار احتلالها بالقوة. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم النص باعتباره يؤسس لمطالبة لبنانية متجددة بانسحاب إسرائيل من المناطق التي ما زالت تحتلها، أو على الأقل يجعل من استمرار الاحتلال مسألة تتعارض مع الروحية العامة للمذكرة. أما مسألة سلاح حزب لله، فلا تتناولها المذكرة بصورة مباشرة. إلّا أن أي انسحاب إسرائيلي كامل، مترافق مع انتشار الجيش اللبناني في المناطق المعنية، قد يفتح الباب أمام مقاربة لبنانية داخلية جديدة لهذا الملف، سواء عبر استيعاب جزء من القدرات العسكرية للحزب، أو تجميد دوره القتالي، أو إدماجه ضمن ترتيبات دفاعية وطنية أوسع، وهي خيارات تبقى في نهاية المطاف رهناً بقرار المؤسسات الدستورية اللبنانية والتوازنات الداخلية والإقليمية.
الأمن الإقليمي
ينص أحد البنود الأكثر إثارة للاهتمام على رفع الحصار البحري عن إيران، وعلى سحب القوات الأميركية من «المناطق المحيطة بإيران» خلال ثلاثين يوماً من التوصل إلى الاتفاق النهائي. لكن المذكرة لا تحدد المقصود بهذه المناطق. فهل يتعلق الأمر بالانتشار البحري الأميركي في الخليج العربي وبحر عمان والمحيط الهندي؟ أم يشمل أيضاً القواعد العسكرية المنتشرة في العراق والكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية وعُمان؟ هذا الغموض ليس تفصيلاً تقنياً، بل قد يكون مفتاحاً لفهم طبيعة النظام الأمني الذي تسعى المذكرة إلى إنتاجه. فإذا كان المقصود بالفعل تقليص أو إنهاء جزء كبير من الوجود العسكري الأميركي في الخليج، فإن المنطقة ستكون أمام تحول استراتيجي غير مسبوق، ينتقل فيها الأمن من نموذج قائم على المظلة العسكرية الأميركية إلى نموذج إقليمي أكثر اعتماداً على التفاهمات بين الدول المطلة على الخليج، بما فيها إيران. وفي هذا السياق، يكتسب البند المتعلق بمضيق هرمز أهمية خاصة. فالمذكرة تنص على أن تبذل إيران جهوداً لضمان المرور الآمن للسفن التجارية.
ماذا ربح طرفا المذكرة؟
يتعامل كثيرون مع المذكرة باعتبارها تنازلاً أميركياً كبيراً، لكنها في الواقع تحمل مكاسب للطرفين. بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تستطيع إدارة ترامب تقديم الاتفاق بوصفه إنجازاً استراتيجياً يحقق ثلاثة أهداف رئيسية: أولاً؛ تثبيت التزام إيراني بعدم امتلاك سلاح نووي. ثانياً؛ إخضاع المواد المخصبة لرقابة دولية مستمرة. ثالثاً؛ خفض احتمالات اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تهدد أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. أما إيران، فتبدو المستفيد الاقتصادي الأكبر إذا ما نفذت البنود المتعلقة برفع العقوبات، واستعادة الأصول المجمدة، واستئناف تصدير النفط بصورة طبيعية، والحصول على خطة استثمار وإعادة إعمار لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار بمشاركة شركاء إقليميين (دول الخليج على الأرجح). كما أن النص لا يلغي مبدأ التخصيب الإيراني، بل يؤجل النقاش حول نسبه وحدوده إلى المفاوضات النهائية، ما يسمح لطهران بالقول إنها احتفظت، حتى الآن، بحقها في دورة الوقود النووي، وإن كانت قد قدمت التزاماً سياسياً واضحاً بعدم تطوير سلاح نووي.
إسرائيل الأكثر قدرة على التعطيل
لا يبدو أن العقبة الأساسية أمام تحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق نهائي تكمن في الخلافات الأميركية – الإيرانية التقليدية بقدر ما تكمن في الموقف الإسرائيلي. فالمذكرة وضعت آلية تدريجية للتنفيذ، تقوم على إجراءات متبادلة تسبق المفاوضات النهائية، أبرزها وقف الحرب على جميع الجبهات، ورفع القيود المفروضة على الملاحة الإيرانية، وتسهيل تصدير النفط، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. غير أن النص نفسه يكشف أن المفاوضات النهائية لن تبدأ إلّا بعد الحصول على ضمانات تتعلق بتنفيذ عدد من البنود الأساسية واستمرارها. وهذا يعني أن أي تعثرا في وقف العمليات العسكرية، أو أي إخلال بالتزامات الطرفين، من شأنه أن يؤجل الانتقال إلى المرحلة التالية، وربما أن يعطل العملية برمتها. وتبدو إسرائيل، في هذا السياق، الطرف الأكثر قدرة على التأثير في مسار التنفيذ. فاستمرار العمليات العسكرية، أو الإصرار على الاحتفاظ بمناطق عازلة داخل الأراضي اللبنانية، أو ربط الانسحاب بشروط أمنية إضافية، قد يضع إيران أمام خيار تجميد التزاماتها المرحلية، بما في ذلك الترتيبات المتعلقة بحرية الملاحة في مضيق هرمز أو الانخراط في المفاوضات النهائية. ومن هنا، فإن المشكلة الأساسية لا تكمن في نص المذكرة، بل في البيئة السياسية والأمنية التي ستطبق فيها، وفي مدى استعداد الأطراف الإقليمية الأكثر تشدداً للتعايش مع تسوية تعيد توزيع النفوذ والأدوار في الخليج والمشرق.
لبنان الحلقة الأضعف في التنفيذ
يشغل لبنان موقعاً حسّاساً في المذكرة، لكنه قد يتحوّل أيضاً إلى الحلقة الأكثر هشاشة في عملية التنفيذ. فالمذكرة تتحدث بوضوح عن وقف دائم للحرب على جميع الجبهات، وعن ضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها، إلّا أن ترجمة هذه المبادئ إلى وقائع ميدانية ما زالت تصطدم بتعقيدات داخلية وإقليمية عديدة. الحكومة اللبنانية لم تتبنَّ المذكرة رسمياً، ولم تعلن حتى الآن أنها تعتبرها مرجعية سياسية أو قانونية للمفاوضات القائمة أو المرتقبة. وفي المقابل، لا توجد آلية تنسيق معلنة بين الدولة اللبنانية وحزب لله بشأن كيفية مقاربة الاستحقاقات التي قد تفرضها المذكرة إذا دخلت مرحلة التنفيذ.
مذكرة نديّة أم تسوية اضطرارية؟
من اللافت للانتباه أن المذكرة لا تحمل طابع الاتفاقات التي تُفرض عادة على الأطراف المهزومة، بل تبدو أقرب إلى تسوية تقوم على مبدأ تبادل المصالح والالتزامات. فإيران لم تتخلَّ عن حقها في التخصيب، ولم توافق على تفكيك برنامجها النووي، لكنها قدمت تعهداً سياسياً بعدم تطوير سلاح نووي، ووافقت على معالجة مسألة المواد المخصبة تحت إشراف دولي. في المقابل، وافقت الولايات المتحدة على الدخول في مسار قد يقود، إذا نجح، إلى رفع منظومة العقوبات الأكثر اتساعاً التي فرضت على دولة منذ نهاية الحرب الباردة، وإلى إعادة دمج إيران في الاقتصاد الإقليمي والدولي.
خاتمة
ليست مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية اتفاقاً نهائياً بعد، لكنها أيضاً ليست مجرد هدنة دبلوماسية عابرة. فهي تحمل في طياتها تصوراً مختلفاً للأمن الإقليمي، يقوم على تقليص احتمالات الحرب، وإعادة فتح قنوات الاقتصاد والطاقة، وإدخال ملفات الخليج ولبنان والبرنامج النووي في سلة تفاوضية واحدة.
(* ) عميد ركن متقاعد