بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 تشرين الأول 2025 12:00ص منظومة الصمت الدولي

حجم الخط
كانت الحروب تقع بين الأمم، وكانت أيضا تقع بين الدول. وكانت القنصليات تهبّ لمعالجة الانتهاكات والاجتياحات والتعدّي على حقوق الشعوب والجماعات، باعتبارها حقوقا إنسانية.
وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، رست الأمور على منظمات أنشئت للمعالجات، والتفاهم على حلول، ولمنع الدول القوية من التعدّي على الدول الصغيرة، وعلى الشعوب الفقيرة. وحين وقعت الحرب العالمية الثانية، هبّت دول الحلفاء لإرساء قواعد جديدة للمعالجات الدولية التي تخترق السلام الدولي العام، فكان مجلس الأمن، وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكانت هناك الكثير من الهيئات الدولية التي تسارع لإنقاذ الدول من نيران الحروب، وما تستجرّه من كوارث عليها. وقد شهد القرن العشرون، تأسيس ونشوء الكثير من هذه المنابر العالمية، التي تسارع للاجتماع وإعلاء الصوت، لوقف الحرب بين الأطراف المتقاتلة، ووضع حد للشذوذ الأمني والعسكري بين الدول، ولتعويض الخسارات المالية والعمرانية والاقتصادية التي تلحق بتلك الدول التي تعرّضت للنيران، من الداخل والخارج على حد سواء.
ما شهدته الحرب على غزة بُعيد «طوفان الأقصى»، لم تشهده الأمم السابقة، ولا مرَّ على قلب بشر. فتحت النيران الجهنمية على هذه المدينة الصغيرة، وعلى مدن وقرى هذا القطاع الصغير، ولم ترحم الحجر، ولم ترحم البشر. وصار الناس يسيلون في الشوارع، كما الطوف، يهربون من جهات إلى جهات، بحثا عن الأمان، وعن التأمين على سلامة البقاء على قيد الحياة.
تعرّض الناس هناك، لأبشع أنواع الحروب، بشهادة «نساء الرؤساء»، كن يبكين أمام أزواجهن، لأجل التدخّل وإيقاف الحرب الرعناء، التي لم تبقِ ولم تذر. وظلت الاتصالات بين زعماء العالم القديم والجديد، تجري بحياء وخفر، خشية أن تؤثر على مسار الحرب الموكلة بحرق القطاع بقرار أحمق ومجرم، وبهدم غزة، وبتهجير الناس منها، وكأنهم من القطعان الشاردة. كانت الغاية تبرر الوسيلة: فليمت الناس على الطرقات، وليمت الأطفال، جراء فقدان حليب الأطفال، ولتهدم المشافي والمدارس والجامعات، ولتتوقف الأفران عن تقديم خبز الحياة، ولتتوقف المطاعم عن تقديم وجبات الطعام، وليفرض الحصار بكل شدّة، حتى يشتدّ ويمتد، ليعمّ جميع الناس في القطاع بلا إستثناء.
كانت حرب غزة حقا من «أرذل» وأقذر الحروب التي شهدتها الأمم في تاريخها القديم والجديد. بدأت بإستباحة الناس في دورهم وفي شوارعهم وفي مآمنهم، وتسليمهم للنيران والأوبئة والأمراض، وكذلك للجوع والعطش، والموت الذي أغلق عليهم الأبواب.
ودخلت المنظمات الدولية في نوم عميق، ولم نعد نسمع بصوت عاقل، يدعو لوقف الموت على غزة، ولا لكفّ أيدي الشيطان عن إضرام النيران. نامت المنظمات الدولية سابع نومها، غرقت في ثبات عميق، وخرست أمام مشاهد الإبادة الجماعية، وأمام الاعتداءات الغشوم على حقوق الإنسان. أبطلت دورها نفسها بنفسها كمنظمات إنسانية، هادفة لرفع الظلم وكفّه، ومنعه، وتقديم الإحتياجات الإنسانية. صارت بحق «منظومة الصمت الدولية»، ولم يعد لها موقف يعتدّ به، ولم تعد لها كلمة مسموعة، وبات العالم يسأل عنها: أين هي؟!
واليوم، بعد سكوت المدافع وإيقاف طلعات الطيران، ووقف الغارات، هل تنهض منظومة الصمت الدولي، للتحقيق في الجرائم الجماعية؟ هل تأخذ دورها في الوقوف إلى جانب القوانين الدولية، فتطالب مثلا بتنفيذها، وتحضّر البعثات المتخصصة، للكشف عما رست عليه الحرب القذرة من جرائم وأعمال وحشية؟ هل تجرؤ على توثيق حرب غزة، في وثائق دولية، وأن تحيل المجرمين الذين أبادوا الناس في الطرقات، إلى المحاكم الدولية، لينالوا جزاء ما إرتكبت أياديهم، من أعمال تقشعر لها الأبدان، فتنظم المحاضر ويساق المجرمون أمام المحاكم وتحكم العدالة على جميع من أشعلوا الحرب ودخلوا، بل إقترفوا عمدا جرائم إبادة، فيبنى على الشيء مقتضاه؟!
غزة والقطاع اليوم، بحاجة لوقفة إحتجاجية، من دول العالم أجمع، وخصوصا من الدول العربية. فهل تبادر منظومة الصمت الدولي، لأخذ دورها، والخروج عن صمتها، بعدما سارع القضاء في إسرائيل، لتعقّب من تسبب ومن شارك، ومن أتى بكل هذا البلاء العظيم الذي لم ترَ مثله الإنسانية، في تاريخها القديم والجديد؟!

* أستاذ في الجامعة اللبنانية