د. مهى محمّد مراد
يتجدّد النقاش حول توصيف الجمهورية اللبنانية كدولة فاشلة كلما تعمّقت أزماتها الداخلية واشتدّت الضغوط الخارجية، وقد ازداد هذا الطرح حدّة بعد تصريحات أطلقها المبعوث الأميركي توم برّاك، ترافقت مع مواقف لمسؤولين إسرائيليين ذهبت في الاتجاه نفسه، ما أعاد هذا الوصف إلى الواجهة السياسية والإعلامية، غير أنّ خطورة هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في تقاطعها مع واقع داخليّ يقدّم، في نظر كثيرين، مؤشرات تدعم هذا التوصيف، أو على الأقل تبرّر تداوله.
وتستند فكرة «الدولة الفاشلة» إلى جملة معايير تتعلق بقدرة الدولة على بسط سيادتها، إدارة مواردها، تأمين الخدمات، والتصرف ككيان مستقل في محيطه الدولي، وفي الحالة اللبنانية، يظهر بوضوح خلل عميق في هذه المرتكزات، فالدولة تعاني من عجز مزمن عن ممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها، حيث تتداخل سلطتها مع قوى أمر واقع تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً، ما يضعف احتكارها للقرار ويجعل سيادتها منقوصة ومقيّدة بتوازنات داخلية وخارجية معقّدة.
ويترافق هذا الواقع مع عجز واضح في أداء الوظائف الأساسية، إذ لم تعد الحكومة قادرة على تأمين الحد الأدنى من الخدمات العامة، من كهرباء ومياه إلى رعاية صحية وبنية تحتية، وهو ما تفاقم بشكل كبير منذ الأزمة الاقتصادية اللبنانية 2019 التي كشفت هشاشة البنية الاقتصادية وأدّت إلى انهيار غير مسبوق في مؤسسات الدولة. وبالتالي، لا يمكن فصل هذا العجز عن الفساد المستشري في الإدارات العامة، والذي تحوّل إلى سمة بنيوية تقوّض أي محاولة إصلاحية، وتستنزف ما تبقّى من موارد، وتعمّق الفجوة بين المواطن والدولة.
وفي موازاة ذلك، تراجعت قدرة لبنان على التفاعل كعضو مستقل في المجتمع الدولي، حيث أصبحت قراراته الخارجية محكومة بتوازنات إقليمية وضغوط متبادلة تحدّ من حريته في رسم سياساته، ما أفقده موقعه التقليدي كدولة ذات هامش حركة دبلوماسي واسع، حيث يزداد هذا التراجع وضوحاً مع استمرار فقدان السيطرة الأمنية الشاملة، في ظل وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة وتأثيرات إقليمية، الأمر الذي يضعف سلطة المؤسسات الرسمية ويجعل الاستقرار عرضة للاهتزاز الدائم.
فأمام هذه المعطيات، يبدو توصيف الفشل، بالنسبة إلى البعض، انعكاساً لواقع قائم أكثر منه حكماً سياسياً عابراً، ومع ذلك، فإن تثبيت هذا الوصف كحقيقة نهائية ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد يكرّس منطق الاستسلام بدل الدفع نحو التغيير، فلبنان، رغم أزماته العميقة، لا يزال يمتلك مقومات النهوض، من طاقات بشرية إلى مجتمع مدني نشط، ما يجعل مسار الخروج ممكناً وإن كان صعباً وطويلاً.
إنّ التحدّي الحقيقي لا يكمن في توصيف الحالة بقدر ما يكمن في كيفية تجاوزها، وذلك عبر مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أسس السيادة الفعلية، وسيادة القانون، والشفافية، واستقلال القرار. فتحرير الجمهورية اللبنانية من القيود التي تكبّلها، سواء كانت داخلية ناتجة عن خلل في بنية الحكم، أو خارجية مرتبطة بالتجاذبات الإقليمية، يشكّل المدخل الأساسي لاستعادة دورها كدولة قادرة على إدارة شؤونها وخدمة مواطنيها والتفاعل بندّية في محيطها العربي والدولي.