بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 تشرين الأول 2025 12:05ص هل تهديد باراك يهدف إلى حثّ لبنان على التفاوض المباشر مع إسرائيل؟

حجم الخط
بعد انتهاء الحرب الأخيرة على غزة باتفاق وقف إطلاق النار، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من الترقّب والتقلّبات السياسية. فبينما هدأت جبهات القطاع، تصاعد القلق الأميركي والإقليمي من احتمال انتقال التوتر إلى الجبهة اللبنانية، وخصوصا إلى الجنوب حيث يتمركز حزب الله. في هذا المشهد المعقّد، أعادت واشنطن الملف اللبناني إلى واجهة أولوياتها، معتبرة أنّ استقرار لبنان شرط أساسي لاستقرار ما بعد الحرب في غزة.
في هذا السياق، برزت مواقف المبعوث الأميركي تومس باراك، الذي استخدم منصّة X لإطلاق سلسلة من الرسائل العلنية حملت نبرة تهديد وتحذير، في ما بدا أنّه ضغط مباشر على السلطات اللبنانية لدفعها نحو تفاوض جديد مع إسرائيل. لكنّ السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل تهديدات باراك تأتي في إطار سياسة الردع فقط، أم أنّها محاولة واضحة لجرّ لبنان إلى طاولة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، تحت غطاء الاستقرار الإقليمي وصفقات ما بعد غزة؟

• موقف عون: التوازن بين السيادة والضغوط

الرئيس اللبناني جوزاف عون وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية وأمنية تتجاوز حدود بلاده. فبعد وقف النار في غزة، عاد ملف الجنوب إلى الواجهة بقوة، وسط تصعيد إسرائيلي على الحدود واستنفار أممي ودبلوماسي متواصل.
عون، الذي يلتزم نهجاً هادئاً وواقعياً، يدرك أنّ لبنان لا يستطيع أن يتحمّل حرباً جديدة، ولا أن ينخرط في مسار تفاوضي يهدّد توازن الداخل. لذلك ركّز في مواقفه الأخيرة على ثلاث نقاط أساسية:
1. أن أي تفاوضا مع إسرائيل لا يمكن أن يتم إلّا ضمن مؤسسات الدولة اللبنانية وبرعاية الأمم المتحدة، على غرار تجربة ترسيم الحدود البحرية التي أنجزها لبنان عام 2022.
2. أن الحفاظ على السيادة خط أحمر، ولا يمكن أن يكون ثمن الاستقرار تنازلاً عن القرار الوطني أو تسليم ملف السلاح بقرارات خارجية.
3. أن التهدئة في الجنوب أولوية وطنية، لكنّها يجب أن تكون متكافئة ومتبادلة، ضمن آلية تضمن وقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام القرار 1701.
وكشفت مصادر دبلوماسية في بيروت أن عون أطلق في الأسابيع الأخيرة اتصالات مكثفة مع واشنطن وباريس والأمم المتحدة بهدف إعادة إحياء «آلية الناقورة» كإطار تقني لمتابعة الحدود لا كمنصة تفاوض سياسي. وهو بذلك يحاول إعادة ضبط الإيقاع بين مطلب المجتمع الدولي ببدء مفاوضات شاملة، وموقف لبنان الرسمي الرافض لأي مسار يُشبه التطبيع أو يمسّ بسيادته.

• تهديدات باراك

منذ مطلع صيف 2025، حرص تومس باراك على نشر سلسلة مواقف مثيرة للجدل عبر منصة X، عكست نبرة جديدة في السياسة الأميركية تجاه لبنان. كان آخرها في 20 الجاري، حيث حذّر لبنان من مواجهة «تصعيد إسرائيلي حتمي» إذا لم يتخذ خطوات جديّة لتفكيك حزب الله. وأشار إلى أن لبنان يواجه «تهديداً وجودياً» ما لم يبتعد عن «الميليشيات المدعومة من إيران» ويعيد بناء سيادته الوطنية. كما ذكر أن الولايات المتحدة قدمت للبنان خطة بعنوان «محاولة أخرى» تتضمن تفكيكاً تدريجياً لحزب الله مقابل حوافز اقتصادية وسياسية، إلّا أن لبنان رفضتها بسبب هذه الرسائل، فسّرها المراقبون على أنها جزء من حملة ضغط منسّقة، تهدف إلى دفع بيروت نحو إعادة النظر في علاقتها مع حزب الله، وربما نحو فتح قنوات تفاوض مباشرة مع إسرائيل تحت غطاء «الفرصة الأخيرة للاستقرار».

• مزيج من التهديد والتحفيز

ووفق معلومات متقاطعة من مصادر دبلوماسية في واشنطن وبيروت، فإن باراك قدّم عرضاً متكاملاً يقوم على مقايضة واضحة: دعم مالي وأمني للبنان مقابل انخراطه في مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل. ويتضمن هذا العرض:
- التزاماً أميركياً بإعادة تأهيل مؤسسات الدولة اللبنانية، خصوصاً الجيش، وتعزيز قدرته على ضبط الحدود.
- خطة لدمج حزب الله ضمن إطار الدولة بطريقة قانونية، مع تحديد صلاحياته الدفاعية ضمن «استراتيجية وطنية للسلاح».
- تأمين غطاء دبلوماسي دولي لتجميد العمليات العسكرية الإسرائيلية، ريثما يتم الاتفاق على ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب.

• بري: سقوط مسار التفاوض

في المقابل، أطلق رئيس مجلس النواب نبيه بري موقفاً حازماً خلال الأسبوع الأخير، معلناً سقوط المسار التفاوضي المقترح بين لبنان وإسرائيل بعد رفض تل أبيب التجاوب مع مبادرة أميركية. وأوضح أنّ الخيار المتاح الآن يقتصر على «الميكانيزم»، أي الآلية التي تشرف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وتضم ممثلين للدول الراعية.
بري، الذي لطالما لعب دور الوسيط بين مختلف المكونات اللبنانية، بدا أكثر حذراً من أي انخراط مباشر في مفاوضات سياسية مع إسرائيل. فهو يدرك أنّ أي خطوة غير محسوبة قد تشعل انقسامات داخلية وتضعف موقع الدولة في مواجهة العدو.

• التحدّيات الداخلية اللبنانية

هذه التطورات تجعل لبنان اليوم يقف أمام معادلة دقيقة: كيف يمكنه الحفاظ على استقراره وتجنّب الحرب دون أن يقدّم تنازلات تمسّ سيادته أو توازناته الداخلية؟ خصوصاً وأن سلاح حزب الله بات مرتبطاً بمعادلات داخلية وإقليمية معقّدة، وأي محاولة لفكّ ارتباطه بالدولة دون توافق وطني قد تشعل مواجهة داخلية. إذ كل هذه العوامل تجعل أي حديث عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل محفوفاً بالمخاطر، إذ لا يمكن أن يتم دون توافر إجماع داخلي وضمانات إقليمية واضحة.
فبحسب مصادر مطّلعة، فإن واشنطن تسعى إلى إطلاق مسار جديد للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، مستوحى من اتفاق ترسيم الحدود البحرية، لكن بمدى أوسع يشمل الحدود البرية ومسائل أمنية. ويستند التصوّر الأميركي إلى أربع مراحل:
1. وقف شامل للنار لمدة شهرين، يتيح تهدئة الأوضاع الميدانية وفتح قنوات التواصل.
2. انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من النقاط المتنازع عليها، ولا سيما مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
3. تشكيل لجنة لبنانية – إسرائيلية برعاية أميركية وأممية، تتولى ترسيم الحدود البرية بشكل نهائي.
4. إطلاق خطة اقتصادية موازية، تشمل دعم مشاريع الطاقة والبنى التحتية مقابل التزام لبنان بعدم استخدام الجنوب لأي نشاط عسكري.
لكنّ العقبة الكبرى تبقى في الموقف الإسرائيلي الرافض لأي انسحاب دون نزع سلاح حزب الله، وهو شرط يرفضه لبنان بشدّة ويعتبره مساساً بسيادته.
في المحصلة، لا يمكن قراءة تهديدات باراك بمعزل عن الاستراتيجية الأميركية الأوسع في الشرق الأوسط، والتي تقوم على تثبيت وقف إطلاق النار في غزة عبر تسويات متدرجة تشمل لبنان وسوريا. وضمن هذه المقاربة، يُراد للبنان أن يدخل مساراً تفاوضياً جديداً يضمن هدوء الجبهة الشمالية لإسرائيل ويعيد ترتيب توازن القوى في الداخل اللبناني.
لكنّ لبنان، يبدو متمسّكاً بخيار الدولة والمؤسسات، وبمبدأ التفاوض فقط ضمن أطر رسمية وبرعاية دولية، لا في ظل تهديدات أو إملاءات.
يبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع بيروت الصمود أمام الضغط الأميركي المتصاعد، أم أنّ تهديدات باراك ستتحوّل إلى مدخل حقيقي لتفاوض جديد يبدّل وجه المنطقة؟
الجواب مرهون بمدى قدرة لبنان على تحقيق توازن بين حماية سيادته واستقراره، وبين مواجهة الضغوط الخارجية بحكمة وواقعية، في مرحلة تُرسم فيها خرائط النفوذ مجدداً على أنقاض حروب الشرق الأوسط.