من سوء طالع لبنان والمنطقة العربية أنه قد زرع في وسطها كيان عنصري صهيوني، لا يعرف سوى لغة القتل والتهجير والترهيب، ويتبنى سياسة توسعيةٍ ممنهجة تقوم على التنكيل بالمدنيين وتدمير منازلهم، هذا الكيان بنى استراتيجياته وتطلعاته على ارتكاب أبشع الجرائم والمجازر وتهجير الآمنين من منازلهم وتجويع المدنيين وقتل النساء والأطفال. هو كيانٌ غاصبٌ يناصب العداء لشعوب المنطقة، ويستغل التناقضات الدولية والإقليمية ليحقق مشاريعه العنصرية. وجاءت الحرب الأخيرة على الجبهة اللبنانية لتكشف كيف يمكن لسلاح جماعةٍ مسلحةٍ خارج إطار الدولة أن يزج بدولةٍ وشعبها في أتون حروبٍ عبثيةٍ، اتخذها العدو ذريعة لتدمير بلدٍ منهكٍ بأزماتٍ اقتصادية ومالية خانقة وانهيارٍ نقدي.
لبنان الذي كان يعاني من شللٍ مصرفي غير مسبوق، أدى إلى حرمان المودعين من ودائعهم المصرفية، وجد نفسه في خضم حربٍ غير مهيئٍ لها لوجستيًا وعسكريًا، أقحمه حزب الله بها من دون استئذانٍ أو مشورة، بإعلانه فتح جبهة الجنوب اللبناني «إسناداً لغزة». تمكنت إسرائيل خلال هذه الحرب أن تقضي على معظم قيادات الحزب، وعلى تحييد المئات من مقاتليه، كما أقدمت على تفجير المئات من مخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ، وتحييد ما يقارب أربعة آلاف عنصر بتنفذ عمليةٍ استخباراتيةٍ رقميةٍ - ميكانيكيةٍ - بشريةٍ معقدةٍ من خلال تفخيخ آلاف أجهزة البيجر التي شحنت لحساب الحزب. ثم توغلت براً لعمق يقارب العشرة كيلومترات، وجرفت عشرات القرى والبلدات بالكامل، وسيطرت على ما يقارب ثمانية وستين بلدة جنوبية، كما دمرت معظم أحياء الضاحية الجنوبية، ولم تسلم عشرات القرى في البقاع، وشرد بنتيجتها أكثر من مليون مواطن من منازلهم، كل هذه النتائج الكارثية يحاول قادة الحزب التعامي عنها بل تصويرها على أنها انتصاراتٌ إلهية، رغم أنها أودت بحياة آلاف من خيرة شبابنا ومواطنينا ودمرت قرانا وقضت على فرص النهوض من كبوتنا الاقتصادية والمالية.
بئس هكذا حروبٍ وانتصارات تكون نتائجها على هذه الشاكلة، تفرض على الدولة والشعب قسراً، وتوفر للعدو فرصاً ذهبيًةً لتدمير لبنان. لقد كشفت الجولتان الأخيرتان من الحرب التي نحن بصددها حجم المأساة التي أسفر عنها احتكارٌ حزب الله للسلاح خارج إطار الدولة. ولم يكفه أن دفع بلبنان إلى ساحة القتال خدمةً لمشاريعٍ إقليمية، وأبقى الجنوب والضاحية والبقاع ساحةً مكشوفةً أمام آلة الحرب الإسرائيلية، واتخذ من المواطنين ومنازلهم دروعاً وسواتر. وعوضاً عن استقاء العبر اعتمد قادته سياسة الإنكار، ألقوا بتبعات خياراتهم على الدولة التي أفقدوها مقوماتها، بتوجهاتهم الجيوسياسية وخياراتهم الاستراتيجية التي فككت المكونات الوطنية وخربت علاقة لبنان بمحيطه العربي، وما لم تفسده الخيارات أفسدته الخطابات التخوينية واللهجات الاستعلائية والسلوكيات التنمرية التي اعتمدت حيال المعارضين حتى من داخل الطائفة، وما غفل عنه القادة تكفلت به جوقةٌ من هواة التنظير الذين سخرت لهم فضائياتٌ ومنصاتٌ إعلاميةٌ لإطلاق العنان لتحليلاتٍ من بناة مخيلاتهم، وما عجزت عنه المخيلات فاضت به الألسن بسفاف الكلام. كل تلك السلوكيات أدى إلى عزل لبنان دوليًا وإقليميًا، كما تسببت بانعزال طائفةٍ عن باقي المكونات الوطنية.
أدى استئثار حزب الله بالقرارات السيادية طوال عقودٍ إلى تقويض الاستقرار وتهديد السلم الأهلي في لبنان، عبر فرض مشروع دويلةٍ تتجاوز مؤسسات الدولة وتحتكر قراري الحرب والسلم. وقد انعكست هذه السياسات سلباً على اللبنانيين عموماً، والطائفة الشيعية خصوصاً، وجعلتها تدفع أثماناً باهظةً نتيجة خياراتٍ أملتها أجندةٌ الإيرانية. كما زادت الشبهات والإدانات القضائية، ولا سيما ما صدر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، من حدة الانقسام والتشكيك بدور الحزب في استهداف معارضيه. ما أوصل لبنان إلى حيث ينبغي إعادة النظر بالتوجهات والخيارات والمسلمات الوطنية.
إن إنقاذ لبنان من هذا المسار الانتحاري، يتطلب معالجةً جذريةً قبل فوات الأوان، إذ لا بد تبني صيغةٍ مبنيةٍ على اعتباراتٍ وطنيةٍ صرفة، وواضحة: المعالم، تولي أهميةً لعملية إرساء السلم الأهلي، ولعودةٍ آمنة للأهالي الذين اضطرتهم الحرب لمغادرة قراهم ومنازلهم قسريًا - ولإعادة إعمار ما دمره العدو الإسرائيلي، على أن تكون خطوة البداية بإعلانٍ متقابلٍ برعايةٍ أميركية، بالتزام الطرفين المتقاتلين بوقفٍ فوريٍ لإطلاق النار، والتزامٍ إسرائيلي بالانسحابٍ الكامل والشامل والنهائي من الأراضي اللبنانية التي احتلتها في الحرب الأخيرة، وإطلاق سراح جميع الأسرى اللبنانيين، مقابل التزامٍ قطعي لحزب الله بتخليه عن كامل سلاحه وتسليمه للجيش اللبناني بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي.
كما أن تعزيز فرص إنجاح هذا الاتفاق يكون بتوفير ضماناتٍ دوليةٍ وإقليميةٍ صارمة، بتكليف قواتٍ عربيةٍ لدعم الجيش اللبناني في ضبط الحدود والانتشار على امتداد منطقة جنوب الليطاني واتخاذ ما يلزم من تدابير لمنع تسريب الممنوعات على اختلافها من وإلى لبنان، وبموازاة ذلك، تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية اللبنانية المتمركزة على مختلف منافذ العبور الدولية «مطار، ومرافئ، معابر برية، وتجهيزها بأحدث أجهزة الكشف عن المواد الممنوعة. وأن تعطى القوات العربية المستعان بها صلاحيات تخولها مراقبة وقف إطلاق النار، وحصر السلاح بالأجهزة النظامية، ومنع أية نشاطاتٍ عسكريةٍ لأية تنظيماتٍ أو قوى غير شرعية، وعلى نحو يحول دون تفلت السلاح في لبنان مستقبلاً.
وبالتزامن يقتضي العمل على التخفيف من معاناة النازحين والبدء بإعادة إعمار قراهم ومنازلهم، من خلال إنشاء صندوق دولي - عربي يخصص لتمويل عملية إعادة الإعمار، يمول من إيداعات الدول المانحة الأجنبية والعربية، ومن تعويضاتٍ تفرض على إيران تقتطع من أصولها المجمدة في الخارج أو من عائدات نفطها. على أن تتولى إدارة الصندوق لجنةٌ دوليةٌ تابعةٌ للأمم المتحدة، وتضم عضوا من جامعة الدول العربية وآخر يمثل الدولة اللبنانية.
كذلك لا بد من تهيئة الظروف الملائمة لعودةٍ سريعةٍ وآمنةٍ للنازحين إلى قراهم من خلال تأمين مراكز إيواءٍ مرحليةٍ تخفف عنهم من معاناة التشتت. ومساعدتهم على البقاء في قراهم تحت حماية الجيش والقوى الأمنية، الأمر الذي يقيهم احتمالية الوقوع فريسة أية جهات أو تنظيمات تستغلهم كضحايا للاتجار بمعاناتهم.
ولا بد من إعارة الاهتمام لأبناء القرى المهدمة وإعطائهم الأفضلية في الاستخدام في عملية إعادة الإعمال والترميم، في مختلف المجالات «بناء، طاقة، اتصالات، تمديدات صحية وغيرها من البنى التحتية، كما تخصيص أموالٍ من الصندوق تعطى كقروضٍ ميسرةٍ للراغبين في إنشاء مؤسساتٍ اقتصاديةٍ صغيرةٍ تسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتثبيت الأهالي في قراهم. خشية أن يتحول المنخرطون السابقون في التنظيمات المسلحة إلى عاطلين عن العمل ويسهل جرهم للانخراط في نشاطاتٍ إجرامية.
وبموازاة ذلك إلزام إيران بالامتناع عن التدخل في شؤون لبنان خارج إطار الدولة كما الامتناع عن تمويل أية أحزابٍ أو تنظيماتٍ لبنانيةٍ أو تزويدها بالأسلحة أو أية أمورٍ لوجستية، وذلك تحت طائلة اتخاذ تدابير دوليةٍ بحقها: عقوباتٍ اقتصادية، وتجميد أصول، وحصار بحري، وتحفيزها على التخلي عن أذرعها المسلحة، مقابل فك عزلتها، وبموازاة ذلك التزام حزب الله بفك ارتباطه بأية مرجعيةٍ تحت طائلة اتخاذ تدابيرٍ إداريةٍ وقضائيةٍ بحقه.
وفي حال بقيت إيران والحزب على إصرارهما لجهة رفض تنفيذ القرارات الحكومية اللبنانية القاضية بحصر السلاح بالأجهزة العسكري والأمنية النظامية، عندها لا بد للدولة اللبنانية، مدعومةً من المجتمع الدولي، من التصرف وفق ما ينص عليه الدستور بما في ذلك اتفاق الطائف ولو باتخاذ إجراءاتٍ قسرية زجرية، بحيث يتولى الجيش اللبناني تنفيذ قرارات السلطة الإجرائية المشار إليها، مدعوماً بقواتٍ عربية، وتشديد الحظر على وصول أية شحنات سلاحٍ برًا أو بحراً أو جوًا لأي تنظيمٍ غير شرعي، وتفعيل الملاحقات القضائية ومساءلة المتورطين ومعاقبتهم وفق ما تنص عليه القوانين الجزائية النافذة.
إن الوضع في لبنان لم يعد يحتمل التسويف والمماطلة، فإما نعلي منطق الدولة الكاملة السيادة، وإما سنبقى نتخبط في حروبٍ لا تنتهي، ورهن أجنداتٍ خارجية، وفتنٍ داخلية. وفي هذا الإطار نرى أن وأد الفتن يبدأ بفك الارتباط بجهاتٍ خارجية، وما على العاقل إلا أن يتوقى مخاطر السير بمشروع إقليمي يستخدم الجنوب والضاحية والبقاع كورقة تفاوض، وأن يختار مشروعاً أكثر أماناً وعدلاً لجميع المواطنين، ألا وهو خيار الدولة التي عليها أن تسهر على تلبية كل هذه التطلعات. لقد آن الأوان لأن تلقي مسؤولية إدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي على الدولة وجيشها الوطني والشعب كل الشعب لا فئة منه.
وإن كان لا بد من كلمةٍ ننهي بها كلامنا هذا، نقول: وجوب التحلي بآداب الحوار، والبعد عن لغة التخوين والتهديد والازدراء والتنمر، والاحتكام لمنطق العقل والتعقل، خاصةً وأن السلوكيات الهابطة أدت إلى تنفير اللبنانيين من بعضهم البعض وزرعت في ما بينهم كراهية مقيتة، في الوقت الذي نحن بأشد الحاجة إلى التحلي بأدبيات المواطنة والتآخي وتغليب مقتضيات العيش تحت كنف دولةٍ واحدةٍ وعادلة.