المحامي د. غدير العلايلي
خلال الحرب الراهنة مع العدوّ الصهيونيّ، كما في التي سبقتها، يعيش العديد من اللبنانيين يومياً حالات تناقض شعوريّ جيّاش، وتنتابنا أفكار مختلطة وجدانياً وملتبسة نفسياً. لا بأس، طالما أننا نعي أنه لا بدّ لنا من ولوجها تمهيداً لمعالجتها، نظراً لخطورة الوضع وتداعياته في ما لو تمادى الموقف الصعب، ولأنّ تلك المراجعة البنّاءة تشكّل، بحدّ ذاتها، فعل مقاومة من شأنه تجنيبنا النكبة النفسية والنكسة الفكرية والتردّد في الموقف والتخبّط الداخليّ في لحظة مفصلية كالتي نعيشها حالياً:
يفرح الكثير منّا حينما تُستهدف «إسرائيل»، خصوصاً حينما ينجح تحقيق نتيجة ملموسة في الميدان بتكبيدها خسائر فعلية، تماماً كما شعر معظمنا في 7 أكتوبر 2023 تضامناً مع حقوق فلسطينيّي غزّة وحرياتهم الطبيعية والأساسية ومع القضية الفلسطينية ككلّ. إلّا أنّ شعوراً من الحذر الشديد من الارتدادات الوخيمة علينا ينتابنا فوراً: فردّة فعل المحتلّ على الأعمال المقاومة غالباً ما تكون فادحة، كما جرى في عملية «السيوف الحديدية» الصهيونية.
وللإعتبار ذاته، وفي لحظات حرجة، قد يدعو بعضنا، سرّاً أو علانيةً، على المقاومة وقد يلعنها قولاً واحداً بسبب إسنادها كل من غزّة غداة «طوفان الأقصى» الفلسطيني، وإيران بموجب عملية «العصف المأكول» بعد عملية «زئير الأسد» الصهيونية، أو حتّى لمجرّد إصرارها على الدفاع عن لبنان وعن نفسها في معركة «أولي البأس»: لأنّ ذلك سيجترّ حتماً البلد والناس إلى ويلات الحرب ومخاطرها الأمنية والدمار ومصائب النزوح، في ظلّ شحّ جسور الإغاثة الدولية والمساعدات الخارجية هذه المرّة، والمزيد من التدهور الاقتصادي والبطالة والإفقار والغلاء والأزمات التعليمية والأكاديمية.
لكن في الوقت ذاته، في باطننا أو جهارنا، وفي ما قد يبدو تناقضاً، يدعو بعضنا (ذاته المذكور أعلاه) للمقاومة في أدعيته وصلواته وابتهالاته وأذكاره ويختم قراءات دينية ومقدّسة على نيّة المقاومة آملاً بتغليبها على العدوّ الغازي وسائلاً إمدادها ونصرها وتعزيزها، وذلك لا سيما في هذه الأيام الفضيلة والروحية بامتياز لدى الصائمين المسلمين والمسيحيين.
نتحسّر لخسارة أولادنا سنة مدرسية أو عام جامعي، وضياع نشاطاتهم الإضافية واهتماماتهم المتنوعة وهواياتهم المفيدة من الثقافة والفنون والأندية المختلفة الى الرياضة والمشاركة في البطولات والمباريات. لكن وفي الوقت ذاته، نتذكّر أنّ تلك التضحيات الجسام تفدي الوطن وسيادته وكرامته وعزّته ومناعته وتموضعه السياسي والأخلاقي الصحيح والسليم ومستقبل الأجيال الصاعدة، ولو على المدى البعيد. كما نستذكر أنّ حروب المقاومات لا تُربح إلا بالنقاط والنفس الطويل والصبر العظيم، ولو بعد حين، وبأثمان باهظة ومكلفة على كافة أطياف وشعوب المجتمعات التائقة إلى التحرر والإستقلال الحقيقي.
في لاوعينا قد يلوم بعضنا المقاومة على معاودة الحرب وإقحامنا فيها مجدداً. إلّا أنّنا في وعينا نعي أنّها لم تقم إلّا بالردّ من باب الدفاع عن النفس، بعد مضيّ أكثر من سنة طويلة وصعبة جداً من انبطاح الدولة التام المذلّ وعجزها الفاضح الأليم إزاء العدوان المستمر والإحتلال والتغلغل المتواصل من قبل العدوّ دون حسيب أو رقيب، فيما لا يزال أسرانا تحت نير الأسر الصهيوني. في وعينا ندرك بأنّ المقاومة جزء أساسي من محور مقاوم يواجه الإستعمار والإستكبار الصهيو-أميركي، بكل تحدٍّ وجرأة وقوة وبسالة وإقدام وفعالية وصمود. فلا بدّ للمقاومة في لبنان حتماً من المشاركة الطبيعية في هذه الحرب الدولية - الإقليمية المصيرية الوجودية الحالية على محورها. ولو أننا نعترف بخطايا المقاومة، وبعضها فادح، كعدم إقدامها سلفاً على تأمين ملاجئ لزوم حالات العدوان والحروب المحتملة وتخصيص مراكز إيواء للنازحين من جرّائها.
إنّ التعلّق بالحياة الدنيا، كما الخوف والذعر والهول والثبور وعظائم أمور حرب عدوّ باطش وجزّار لا يراعي أيّ حرمات إنسانية (حتّى في زمن الصوم والصيام والشهر الفضيل)، قد يجعل بعضنا يعتقد أحياناً أنّ المقاومة هي كابوسنا. فيما لا يلبث كلّ من العقل والفطرة فينا أن يصحّينا إلى واقع كونها، أقلّه كحقّ وفكرة ومبدأ وأفق وأمل ومصير، هي أفضل الحلم الوطني والسيادي والتحرري إزاء الكيان الغاصب. هذا في حين انّ العدوّ الذي يضرب عرض الحائط بأبسط أسس ومرتكزات القانون الدوليّ، الذي يستبيح قواعده ومبادئه، هو، حقيقةً، أعتى كوابيسنا وأبشعها:
مثلاً، لم يتوانَ الإجرام الصهيوني بالأمس حتى عن اغتيال مدير كلية وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية الرسمية الوطنية، مستهدفاً هذا الصرح الأكاديمي تحديداً ومباشرةً ومعه هذين العالمين ومهدّداً بالتالي الأدمغة والتعليم والمعارف ككلّ في لبنان. كما وصلت الوقاحة، سابقاً ومؤخراً، إلى حدّ مطالبة الولايات المتحدة بشكل مستعجل لجانب الدولة اللبنانية بـ«إعادة» صواريخ «إسرائيلية» لم تنفجر في لبنان بعد إغارتها عليه!
برأي العديد منّا، إنّ مردّ المذهبيّة والطائفية في بلادنا هو الطابع العقائديّ بل الطبيعة الدينية للمقاومة ومحورها. لكننا نعود لنحكّم المنطق ولنشعر بأنفسنا بخلل هذه النظرية التي تروّج لها الصهيونية نفسها: فالوقائع تثبت لنا أنّ مَن يعمل دؤوباً ويسعى جاهداً إلى بثّ المزيد من المذهبية ونشر الطائفية أكثر فأكثر في النفوس ونزعة التطرّف والتعصّب الإحلاليّ والكراهية إزاء الشريك في الوطن والتفريق لا بل الحرب الأهلية بين اللبنانيين ما هو إلّا «إسرائيل» وداعميها ومؤيّديها وأعوانها. ويتمّ هذا المخطّط الصهيوني بناءً على السياسة الإستعمارية الشهيرة «فرّق تسد» بغية إضعاف مجتمعنا وإلهائه وإنهاكه في حروب داخلية وهوياتية عبثية وخطيرة، وتشتيته عن وجهة البوصلة الصحيحة ألا وهي: حق، بل واجب، المقاومة والتحرر والتحرير وتقرير المصير.
خلال الحرب القائمة، كما قبلها وبعدها حتماً، لا بدّ لنا من تجلية تلك المشاعر المتناقضة وتصفية الأفكار المشتّتة لدينا، تصويباً للموقف الوطنيّ وترشيداً للذهن الفردي وتشذيباً للوعي الجمعي واللاوعي الجماعي في لبنان. ففعل تنقية ذاكرة وطننا وضمير «مسؤوليه» المنكفئين لهو عمل بغاية الأهمية، خصوصاً في هذه الظروف الإستثنائية، سيما وأنّ الأخيرين راحوا «يحظرون» أي نشاط أمني وعسكري للمقاومة ويسعون إلى ملاحقتها.
بل إنّ هؤلاء «الرؤساء»، المرؤوسين من قبل القوى «الكبرى» العالمية، يتوقون ويخطّطون اليوم، بأدقّ التفاصيل، إلى التفاوض المباشر مع العدوّ، تحت نارِ ترهيبه أهلنا وبقوّةِ ترويعهم مذهبياً وتأليبهم طائفياً بعضهم على بعض وتهجيرهم جماعياً وقسرياً، تحت ذريعة الإخلاء الحمائي، لتفريغ مناطقهم تمهيداً لفرزهم ديمغرافياً كمنطلق لتقسيم بلادنا، فيما ينعدم أساساً الحدّ الأدنى من الشروط الوطنية والمعايير السيادية اللازمة لهكذا تفاوض. بحيث أن هؤلاء «القادة اللبنانيين» يتسوّلون، يا حيف، سلام المستسلمين المتخاذلين المهرولين بشكلٍ معيب ومبكر ومستعجل جداً ومشؤوم.
هذا فيما المقاومون الأبطال (وخلفهم أهلهم ومؤيّدوهم ومناصروهم وداعموهم)، وهم الجناح الثاني من درع الوطن إلى جانب الجيش اللبناني وسائر المؤسسات الأمنية والعسكرية الوطنية، هم الذين يستبسلون على الشريط الحدودي في الدفاع عن الأرض والعِرض والشعب والوطن بالدم والنار. وذلك رغم كل تكالب الخارج وتواطؤ بعض الداخل، لا سيما الرسمي، على استكمال «حصر» سلاحهم حتى في شمال نهر الليطاني ومحاصرتهم بشدّة والإطباق عليهم نهائياً. وهذا عوض الإستفادة من قوّتهم، ولو كانت نسبية، لاستثمارها كورقة قوة في مفاوضات ندخلها لاحقاً بشكل أمتن حينما يؤون أوانها.
على صعيد المثل لا الحصر، هل تعلم أيها القارئ أنّ أبرز وأكبر دور النشر اللبنانية العديدة، ومنها المتخصّصة بالقضية الفلطسينية وبسائر القضايا العروبية المماثلة، وبموجب رقابة ذاتية استباقية أصبحت، في عصر السلطة اللبنانية الحالية ومثيلاتها العربية، تمتنع (كمعظم أخواتها العربية) عن نشر بعض الكتب الراقية الجديدة من تأليف دكاترة وأساتذة جامعيين متخصّصين في العلوم السياسية والحقوقية؟ وذلك لمجرد كونها، بعمقٍ معرفيّ وبعد تشريح تحليليٍّ، داعمة للمقاومة كحقّ مشروع ومناقضة للصهيونية كعقيدة، ولو بأسلوب أكاديمي دقيق وموثّق وموضوعي وغير حزبيّ؟ وكذا حتّى لو تضمّنت مثلاً تلك المؤلَّفات تسطيراً لأخطاء المقاومة ومحورها حيث يلزم، كما وتسليماً، على مضض وضمن مجموعة شروط قانونية وأخلاقية، بحلول «وسطى» كـ«حلّ الدولتين» وفق أحكام القانون الدوليّ ومبادرة السلام العربية؟
هل هذا لبنان «منارة الشرق» وبلد الحريات والغنى الفكري والبحث العلميّ والنشر الأكاديميّ والحس النقدي وتنوّع الآراء السياسية والعقائدية، والذي توعدون وتتغنّون فيه في خطاب قسمكم و»عهدكم» المقطوع لنا والبيان الوزاري لحكومتكم وتصريحاتكم الطنّانة ومؤتمراتكم الرنّانة؟ أم أنه أضحى لبنان الخوف وكمّ أقلام حرّة غير مأجورة لا تتماشى مع أهواء العهد الجديد وتحوّلاته الجذرية؟! على هذا الصعيد أيضاً، يقتضي تجلية هذه التناقضات الجوهرية بين النظرية و(عدم) التطبيق، وبين الوعد و(عدم) الإلتزام والتنفيذ.
بئس زمنٍ رديء أصبح فيه الإنهزاميّ الملاحق دولياً بتهمة «الإرهاب» وربيب المشروع الصهيو-أميركي في المنطقة والمترامي في أحضانه المهلكة رئيساً و«شريكاً مرجعياً» إقليمياً، فيما يوسم المقاومون المناضلون في سبيل تحرير بلادنا العربية، وعلى رأسها فلسطين، بـ«الإرهاب» دولياً وإقليمياً ويلاحقون داخلياً! لكل ما تقدّم، وبغية توضيح الرؤية وتخطّي المحنة بخسائر أقلّ على الصعيد السياسي الوطنيّ، يقتضي مجدداً تصحيح المقاييس ذات الصلة لتكون نقاط انطلاق دقيقة يبنى عليها المقتضى والتقييم وتقدير الموقف، كمعايير العداوة والوطنية ومفاهيم الوسيط والحليف والصديق و«الشقيق»!