أظهرت التطورات المتتالية والمتصلة بمستقبل إتّفاق وقف إطلاق النار العديد من المؤشرات التي تؤكد أن المسار السياسي المعتمد، كما الإطار العسكري - التقني للتفاوض عبر الميكانيزم القائم، عاجزان عن تحقيق أي تقدم فعلي. هذا وقد تماهت زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان خلال الأسبوع المنصرم مع الأجندة الدولية المواكبة للوضع اللبناني، بما شكّل تحذيراً واضحاً من تداعيات الإستمرار في حال المراوحة ودافعاً نحو الإنتقال إلى مرحلة أخرى برعاية فاتيكانية. وما تسمية السفير السابق سيمون كرم لترؤس الوفد اللبناني المفاوض، وتأكيد الرئاسة اللبنانية أن هذه الخطوة هي وليدة إتّفاق مع رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، سوى نتاج إدراك المخاطر الجدية التي ترتسم بقوة بما لا يحتمل المزيد من ممارسة التقية السياسية.
وعليه، فما هي مستلزمات وشروط النجاح المتاحة بعد رفع مستوى التفاوض الذي ذهب اليه لبنان ، وما هي بالمقابل محاذير وتداعيات الإخفاق؟
ينبغي التأكيد أنه بالرغم من إصرار أركان السلطة في لبنان، خلافاً للدستور، على المجاهرة بلامركزية القرار السياسي عبر تثبيت المرجعية الثلاثية المواقع في التعامل مع الموفدين الدوليين والإقليميين ، فقد دلًلت الإجتماعات التي عُقدت مع مندوبي مجلس الأمن على ضيق الأفق السياسي المتاح، وأن هناك ما يشبه الحاجة لدى أركان السلطة لتبرئة الذات أمام إستحقاقات لا يمكن تحمل تبعاتها.
بدت مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أكثر وضوحاً حيال إلتزام القرارات الدولية وتجاوز كل التقييدات السابقة من خلال «التأكيد على خيار التفاوض فقط لتوفير الإستقرار والأمان وإيجاد الحلول للمسائل العالقة، وأنه لا رجعة للوراء، وأن هذا الخيار قد تم إبلاغه لجميع المسؤولين العرب والأجانب بمن فيهم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو». كما خلت، هذه المرة، اللاءات المتعلقة بعدم العودة للحرب وقيام الجيش بدوره كاملاً في تطبيق حصرية السلاح من القيد الجغرافي المتعلق بإزدواجية المعايير بين شمال الليطاني وجنوبه. وقد يكون في ما قاله الرئيس نواف سلام في منتدى الدوحة نهاية الأسبوع المنصرم عن علاقته بالرئيس عون: «نمشي في الإتجاه ذاته وكلانا يريد حصر السلاح بيد الدولة» أصدق تعبير عن العلاقة الهجينة التي تفرضها المستجدات تباعاً بين الرجلين.
بدوره، آثر رئيس المجلس النيابي نبيه بري التمسك بالعناوين العريضة لجهة إلتزام إسرائيل بالقرار الأممي 1701 وبإتّفاق وقف إطلاق النار والإنسحاب إلى خلف الحدود الدولية لعودة الإستقرار إلى الجنوب، متجنباً التفسيرات الخاصة التي دأب على اعتمادها لإتاحة مساحة من حرية المناورة لحزب الله والتأكيد على تفسير مختلف للقرارات الدولية بما يبرر لحزب الله التمسك بسلاحه.
في ضوء ذلك، تبقى الأنظار مشدودة إلى ما ستكون عليه المواقف قبيل وبعد الجلسة التفاوضية التي ستعقد في 19 كانون الأول الجاري بين الوفد اللبناني برئاسة السفير سيمون كرم والوفد الإسرائيلي والتي ستشّكل اختباراً لقدرة الدولة على تأمين خلفية صلبة للفريق المفاوض والإرتقاء إلى مستوى التفاوض المطروح بتجاوز مواقف حزب الله المتمسكة بالسلاح. بمعنى آخر وقبل كل شيء تمكين الفريق المفاوض من مناقشة الجدول الزمني للإنتهاء من حصرية السلاح على كافة الأراضي اللبنانية مقابل وقف الأعمال العدائية واستعادة الأسرى، وبرمجة الإنسحاب من المناطق المحتلة وتصحيح النقاط المختلف عليها عند الخط الأزرق.
لا بديل أمام لبنان عن إنجاح التفاوض للخروج من العزلة والإنطلاق نحو الإستقرار، إذ إن استمرار الإعتداءات الإسرائيلية سيقودنا تدريجياً إلى مزيد من استنساخ النموذج القائم في غزة. صحيح أن هناك تشابهاً في الموقف بين حالتيّ غزة ولبنان لناحية تسليم السلاح كشرط أساس للإنتقال الى المرحلة الثانية، إلا أن ثمة إختلافات تفاضلية لصالح لبنان ولا سيما ما يتصل بنهائية الحدود المعترف بها دولياً بموجب إتّفاق الهدنة إضافة الى شرعية السلطة اللبنانية المكرّسة عربياً ودولياً، وهي عناصر تفتقر إليها حركة حماس في غزة. غير إن إخفاق السلطة في لبنان في العبور نحو التفاوض، في ظلّ عدم حسم نهائية حصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، سيؤدي إلى إسقاطها كطرف قادر على أداء دوره ضمن معادلة الإستقرار الإقليمي، بما يفسح المجال أمام بدائل دولية يلعب فيها لبنان دور المتلقي ويقترب أكثر فأكثر من نموذج غزة.
المطروح في غزة، بموجب القرار رقم 2803 الصادر عن مجلس الأمن في 17 نوفمبر 2025 هو قيام إدارة إنتقالية دولية تحت مسمّى «مجلس السلام» الى حين استكمال السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي، الى جانب إطلاق حوار بين إسرائيل والفلسطينيين بهدف الإتّفاق على أفق سياسي يُفضي الى تعايش سلمي ومزدهر. كما يشمل الطرح إنشاء «قوة استقرار دولية مؤقتة» تُنشر تحت قيادة موحّدة تحظى بقبول مجلس السلام، وتتولى تدمير البُنى التحتية العسكرية والإرهابية والهجومية، ومنع إعادة بنائها، إضافة الى الإخراج الدائم لأسلحة لجماعات المسلحة من غير الدول. ويُعدّ انسحاب الجيش الإسرائيلي مشروطاً بتحقيق هذه المتطلبات وفق معايير ومحطات زمنية مرتبطة بعملية نزع السلاح، يتم الإتفاق عليها مسبقاً.
أمام هول مخاطر الإخفاق، يبرز السؤال الجوهري: هل يتخلى أركان السلطة عن التقية السياسية، وهل يؤدي ذلك الى نجاح السلطة في اجتياز اختبار التفاوض المحتوم؟
* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات