التكنولوجيا والاقتصاد اللبناني
تحقيق النمو الاقتصادي تطلَّب عبر الزمن التفاعل بين عوامل الانتاج الأربعة: العمل، رأس المال، الطاقة والمواد الأولية. هذا لم يعد كافيا اليوم أي هنالك عنصر خامس هو التكنولوجيا مهم ومؤثر جدا وربما بأهمية العناصر الأربعة الأخرى. الفارق بينهم أن العنصر الخامس يؤثر على الانتاج عبر تفاعله بقوة مع انتاجية العوامل الأربعة الأخرى. هنالك اقتصادات متطورة أهمها في أسيا وأوروبا فسحت المجال للتكنولوجيا لتؤثر على كل شيء بدأ من التربية الى الصحة والغذاء وغيرها وبالتالي حققت نموا مدهشا مستفيدة من العامل الخامس المتطور دائما. في لبنان وبالرغم من ادخال التكنولوجيا المتنوعة الى اقتصادنا، لم نسمح لها بالتأثير بكل قوة على البلاد والقطاعات بسبب القوانين والتاريخ والتقاليد والتجارب السابقة الايجابية والسلبية.
في الواقع ان حسن ادارة التكنولوجيا يتطلب تنسيقا كبيرا بين القدرات الانتاجية والهيكلية الادارية للشركات. المطلوب التنسيق أيضا بين جمعيات قطاع الأعمال وسياسات الحكومات لدعم التجدد الصناعي. المقصود هنا أن التطور التكنولوجي لا ينبع من الشركات فقط بل من تطور المناطق التي تعمل فيها. لن ينجح التطور التكنولوجي اذا تمت معالجة المواضيع بشكل منفصل. فالشركات تنمو وتتجدد اذا كان الايطار السياسي والجغرافي والقانوني متجدد أيضا. ليست هنالك عجائب في الاقتصاد خاصة في قطاعات التكنولوجيا والتطور والتعليم. هنالك علاقة قوية واضحة ومثبتة بين ثلاثة عوامل هي القدرات الانسانية ونماذج الأعمال والانظمة الانتاجية. لن يتطور أي قسم منفردا بل التلاقي بين العوامل الثلاث هو الدافع للنمو والنجاح.
أعطيت جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 2024 لثلاثة علماء درسوا العلاقة بين التكنولوجيا والاقتصاد. «أسيموغلو» و«جونسون» و«روبنسون» بيَّنوا أنه يمكن للمجتمعات أن تسيطر وتراقب التقدم التكنولوجي الذي يواجهها وتجعله يصب في مصلحة النمو والتنمية وليس العكس. تعميم التقدم التكنولوجي وطرق الاستفادة منه مهم جدا لاراحة المواطن العادي وجعله يستعمل التكنولوجيا الجديدة لمصلحة بيئته. هنالك طرق تجدد مختلفة يمكن خلالها معرفة من يستفيد منها وبالتالي تعميم الاستفادة التكنولوجية ليس صعبا بل ضروريا. المطلوب أن يسيطر المواطنون على التطور التكنولوجي ويدرسوا كيفية الاستفادة منه كما يقول العلماء الثلاثة. التقدم التكنولوجي الصحي هو الذي يعزز العلاقات الديموقراطية والحريات داخل المجتمع.
معظم النماذج الاقتصادية التي تدرس في الجامعات اللبنانية والعالمية تتجاهل تأثير حجم التجدد والتغير التكنولوجي على النتائج الاقتصادية، بل تعتبرهما عوامل خارجية. يقول «روبرت لوكاس» أن النماذج الاقتصادية المعتمدة والمدرسة في الجامعات تتجاهل أيضا التأثير الكبير للرأس المال الانساني على كل زوايا الاقتصاد. هنالك أيضا تجاهل لدور المدن في التجدد العام حيث العلاقات تبقى قوية جدا بين ما يحصل في الشركات وما يحصل خارجها أي في المدن أو المناطق. ديناميكية التجدد مهمة وصعبة في نفس الوقت، اذ أن النجاح يكون عاما أو لا يكون.
لتطوير التكنولوجيا داخل الشركات اللبنانية، يجب تجديد اداراتها وأقله تأهيلها وتفعيلها بحيث تربط بين الأهداف الكبرى والهيكلية الادارية كما تتحكم بالقدرة على التنفيذ. لا نهمل تأثير قوانين العمل والاجراءات الحكومية المالية والادارية على مستوى الأجور والأسعار بالرغم من أن هذه العلاقة بحاجة الى تطوير وتحديث كي تصبح مريحة للفرقاء جميعا. في كل حال، لن يكون هنالك نمو اقتصادي صحي من دون منافسة بين شركات السوق في كل القطاعات تهدف الى تحقيق أرباح عبر تطوير المنتجات وتجديدها وتنويعها تبعا لأذواق المستهلكين. في الواقع جميع العوامل مترابطة عمليا، اذ هنالك صعوبة في تحقيق تقدم في عامل دون دراسة العوامل الأخرى وتطورها.






