بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 كانون الثاني 2026 12:00ص السياسات الصناعية تعود

حجم الخط
اعتمدت السياسات الصناعية في القرن الماضي لعقود خاصة في الدول الاشتراكية والنامية.  وضع الاتحاد السوفياتي خططا خمسية متطورة ومتتابعة لكنها لم تؤد الى النتيجة الايجابية المطلوبة لصعوبة ادارة اقتصاد بذلك الحجم الكبير من العاصمة.  بين الدول الغربية، كانت فرنسا سباقة في اعتماد الخطط الموجهة للاقتصاد دون أن تفرضها على المواطنين والشركات والقطاع العام كما كان الحال في الدول الشيوعية.  المقصود بالسياسات الصناعية السماح للقطاع العام والحكومات بالتدخل مباشرة وعلنا في الاقتصاد عبر توجيه الأموال والموارد نحو قطاعات أو مؤسسات معينة تعتقد السلطات أنها ستكون ناجحة مستقبلا ومفيدة للبلاد.
في معظم الأحيان وخاصة في الدول الاشتراكية، اعتمدت الخيارات الخاطئة وبالتالي كانت النتائج سيئة على البلاد والشعوب مما ساهم مع الوقت في ترك السياسات الصناعية كليا والتوجه نحو الاقتصاد الحر والمنافسة الشفافة.  في المبدأ تعتمد السياسات الصناعية أو يسمح للحكومات بالتدخل شرعيا في الاقتصاد عندما لا يمكن حصر نتائج أي سياسات أو استثمارات في موقع واحد أو مع مستفيد واحد أو متضرر واحد، وبالتالي المطلوب توزيع النتائج عبر السياسات العامة.  أما اليوم وبسبب الأوضاع الاقتصادية العالمية المتقلبة، عادت السياسات الصناعية الى الظهور حتى في أهم الدول الرأسمالية ومن بينها الولايات المتحدة لتخفيف الخسائر وتقوية المنافع.  اليوم تتفق الولايات المتحدة والصين على مبدأ واحد وهو آن التجدد هو الطريق الأسرع للنجاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والأمني.  لتنفيذ السياسات التي تؤدي الى النجاح، لا بد من اعتماد سياسات صناعية مركزة متنوعة واضحة ومناسبة.
اعتمدت الصين لعقود سياسات صناعية نجحت في معظم الأحيان.  كان النمو الصيني مدهشا لعقود مما سمح بنقل الاقتصاد من دولة نامية الى أخرى ناشئة تنافس الغرب في كل القطاعات.  حتى في الماضي غير البعيد حققت الصين نسب نمو مرتفعة مقارنة بمعظم الدول الأخرى.  لم ترتفع نسبة البطالة السنوية الا نادرا فوق ال 5% وهذا جيد مقارنة بأنشط الدول.  أما نسبة التضخم السنوية فبقيت عموما حوالي 2%.  كانت الموازنة عموما عاجزة مما سبب ارتفاع الدين العام الذي يعاني منه الاقتصاد بالاضافة الى وجود أزمة عقارية حادة.  أما ميزان المدفوعات فكان فائضا بسبب الصادرات المرتفعة وبالتالي الميزان التجاري الايجابي بالرغم من استيراد الصين للمحروقات.  ينعكس هذا الفائض على الاحتياطي النقدي الكبير الموجود في المصرف المركزي.
يأمل الرئيس الصيني بأن تكون العلوم والتكنولوجيا الطريق الأسرع للوصول الى التفوق الكامل لبلاده على الولايات المتحدة.  أما في المقلب الآخر، سيستعمل الرئيس ترامب مجموعة من السياسات الصناعية الجديدة والايضافية من عقوبات وتعريفات جمركية وحوافز ومساعدات لمنع الصين من تحقيق أهدافها.  تشير الوقائع الى نجاح الصين مما يجعل منها منافسا كبيرا في معظم العلوم.  تبعا لتشكيلة الادارة الأميركية، يظهر جليا أن الرئيس ترامب مستعد للمواجهة.  فالسياسات الصناعية ليست سياسات خلق معرفة بل توزيعها نحو القطاعات والدول الأخرى.  اعتمدت ألمانيا واليابان سياسة نشر المعرفة كوسيلة للنجاح بعد الحرب العالمية الثانية وحققتا نتائج مدهشة.
في دراسة لمؤشر الذكاء IQ في 72 دولة بين 1948 و 2020 وضعها العالمJames Flynn تبين له آن معدل الذكاء ارتفع 2,2 نقطة كل عقد وهذا ما لم يحدث سابقا.  تاريخيا تطور دماغ الانسان ببطء مما يدفع الى السوأل عن سبب الارتفاع الكبير الحديث للذكاء.  تبين له أن السبب الرئيسي هو الغذاء والعلم بحيث تطور دماغ الانسان كما لم يحدث سابقا.  نوعية وكمية الغذاء هي المؤثرة الأولى.
دولة أخرى كبيرة منافسة للصين اعتمدت أيضا سياسات صناعية ذكية منذ استقلالها عن بريطانيا وحتى اليوم تحت حكم «مودي» وحزبه «جاناتا».  هدف مودي جعل اقتصاد الهند الثالث عالميا قبل سنة 2027، وهذا ممكن اذا استمر الاستقرار السياسي والأمني واعتمدت السياسات الصحيحة في الضرائب والقرارات الرقمية.  استثمرت الهند في البنية التحتية أي بنت 149 مطار و عشرة ألاف كيلومتر من الطرق كما تضيف سنويا 15 جيغاوات الى الطاقة الشمسية.  طورت الهند قطاع الخدمات وأصبحت صادراته تشكل 10% من الناتج المحلي الاجمالي.  من أهم المشاكل المتبقية هي الفساد على كافة المستويات والذي يعيق تنفيذ أفضل القرارات.
في الأرقام، وضعت الهند نفسها على الطريق الصحيح لتتقدم.  ينمو الاقتصاد سنويا بمعدل 6% وهذا مدهش لاقتصاد كبير.  نسبة التضخم بمعدل 5% مقبولة، اذ استفادت الحكومات من نصائح أفضل الاقتصاديين الهنود الموجودون في الجامعات الأميركية والمؤسسات الدولية.  تبقى الموازنة عاجزة مما يحد من قدرة الحكومة على الاستثمار أكثر في الاقتصاد.  ميزان الحساب الجاري عاجز بسبب ارتفاع الحاجات والواردات، مما يفرض على الاقتصاد توسيع وتنويع القدرات الانتاجية عبر سياسات صناعية ذكية مناسبة.  أما الاحتياطي النقدي فلا يمكن مقارنته بالصين لكن الاقتصاد الهندي يتطور مع الوقت.  لن تكون الهند «صين المستقبل» لأنها تأخرت في البدء بمشروعها الطموح وتتخبط بين حين وآخر بتحديات تنوع شعبها عرقيا ولغويا، مما يضعف التجانس وبالتالي التطور.