بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 كانون الثاني 2026 12:46ص القيود على رؤوس الأموال

حجم الخط
من السياسات التي تقوم بها بعض الدول هي وضع قيود على حركات رؤوس الأموال القادمة أم الذاهبة أو الأثنين معا.  تخاف الدول من القدوم الكبير والسريع لرؤوس الأموال بسبب التقلبات المحتملة التي تحدثها في الداخل، خاصة وأن «القصير الأمد» يخرج ويدخل للمضاربة ضد النقد الوطني فيحدث بالتالي بلبلة نقدية ومالية كبيرة.  من هنا كان اقتراح الاقتصادي «جيمس توبين» وضع ضريبة مئوية منخفضة على هذه الأموال تجمعها الأمم المتحدة في صندوق يمول الحاجات التنموية للدول الفقيرة.  هذا اقتراح جيد بالرغم من أن انتقال الأموال يمكن أن يكون أحيانا لأسباب فاضلة وليس بالضرورة لأسباب «تخريبية».
عندما تحل أزمة مالية في أي دولة، تسعى الحكومات للمعالجة اذ أن تأثيراتها على الاقتصاد الحقيقي وعلى مستوى المعيشة يكون عموما كبيرا ومكلفا.  هذا ما يحاول فعله لبنان ليس فقط تجاوبا مع صندوق النقد الدولي وانما لتقوية الاستقرار ومنع المخالفين أو المخربين من الاساءة للاقتصاد.  فالسياسات المقبولة لمعالجة هذه الأزمات المالية تبقى محدودة في عددها ونوعيتها وامكانية تطبيقها شعبيا وتقنيا. هنالك دائما سياسات ذكية تسبق الأزمات يجب دراستها ووضعها في التنفيذ بالاضافة الى أخرى تتزامن مع الأزمة لتخفيف الأوجاع.  هنالك ثالثا سياسات تتبع الأزمات لمعالجة الخسائر وتجنب أزمات مستقبلية مماثلة.  دول عديدة نامية أو ناشئة تخاف من قدوم رؤوس أموال غزيرة اليها لأن النتائج يمكن أن تكون سوداء في الاقتصاد.
من النتائج المؤذية لرؤوس الأموال الغزيرة القادمة ارتفاع سعر الصرف الداخلي بسبب الطلب على النقد، مما يؤثر سلبا على الصادرات.  من النتائج السيئة أيضا خسارة الاستقلالية النقدية التي تسببها حركة الأموال الكبيرة والسريعة مما يحدث عموما أزمات مصرفية ومالية تعجز السلطات عن مواجهتها.  وضع قيود على رؤوس الأموال القادمة يسمح للدول المستقبلة بتجهيز نفسها لمواجهة أي محاولات لاحداث تقلبات كبيرة في الداخل.  لذا لا يمكن تجاهل «الثلاثي المستحيل» أي لا يمكن لأي دولة أن تنعم بالعوامل الثلاثة التالية في نفس الوقت وهي سعر صرف ثابت للنقد، حرية تنقل رؤوس الأموال من والى الدولة وثالثا سياسة نقدية حرة أو مستقلة. على الدولة أو المجتمع أن يختاروا اثنين من الثلاثة تبعا للاوضاع الداخلية.  مثلا لبنان قبل الأزمة الحالية أو منذ أوائل التسعينات وحتى آخر سنة 2019 اختار سعر الصرف الثابت لليرة مع الدولار وحركة رؤوس أموال الحرة ذهابا وايابا، وبالتالي خسر استقلالية السياسة النقدية.  لبنان يتبع السياسة النقدية الأميركية منذ 1993.
ما حصل لبنانيا منذ آخر 2019 هو أن الأموال حولت الى الخارج خلال فترات قصيرة بسبب ضعف الثقة بالاقتصاد والمؤسسات المصرفية والمالية أو لتهريبها خوفا من تحقيقات مستقبلية أو لتنويع الاستثمارات.  حصل بالتالي نقص في عرض الدولار في الداخل مما سبب انهيارا في السياسة النقدية المتبعة.  انفجر سعر الصرف وما زال غير مستقر فعليا وان استقر اسميا.  لا سقف عملي للدولار في الأسواق اللبنانية اذا ترك لعمليات العرض والطلب الحرة، وذلك بسبب الأوضاع العامة الهشة أو الغير معروفة الاتجاهات.  عندما تحتاج الدول «المدولرة» الى عملات صعبة أو الدولار تحديدا، تلجأ الى صندوق النقد الدولي أو الى المصرف المركزي الأميركي للمساعدة وهذا ما يحاول فعله لبنان اليوم بمحادثاته المستمرة مع صندوق النقد.
في لبنان مؤخرا، تقييد تحويل رؤوس الأموال الى الخارج بالتزامن مع بقاء سياسة الدولار الثابت ضرب استقرار السوق النقدية وسبب بلبلة كبيرة في السوق بالاضافة الى ضرب الثقة في القطاع المصرفي اللبناني.  الدولار مهم جدا لأن لبنان يستورد تقريبا كل شيء والقدرة على التصدير محدودة بالرغم من بعض النجاحات الصناعية والزراعية.  ما الحل؟  عودة بعض هذه الأموال التي خالفت التعليمات واستفادت من ضعف أجهزة الدولة.  لا يمكن للبنان الرسمي أن يسرق ودائع اللبنانيين لتمويل سؤ ادارة المؤسسات العامة المسؤولة عن الخسائر.  لا يمكن محاسبة كل اللبنانيين عن فساد وسرقات قسم من السياسيين أو قسم من قطاعات الأعمال أو غيرها من المجموعات.  يجب محاسبة الفاسدين والسارقين مباشرة وترك اللبنانين ينعمون بما جنوه من عرق الجبين على مدى عقود من العمل الشاق الشريف.  أي مس بودائع للبنانيين ينهي لبنان اقتصاديا لعقود قادمة.  ما يطرح من مشاريع قوانين حاليا هو للمناقشة ولا يحل المشكلة.
هل أن وضع قيود على رؤوس الأموال يؤدي حكما الى الاستقرارين المالي والنقدي؟  هل تقييد حركة رؤوس الأموال القادمة أو الخارجة ينفع دائما؟  هنالك اموال تأتي للاستثمار ولخلق فرص عمل وبالتالي منعها يخسر ويزعزع الثقة في الاقتصاد.  هل تقييد رؤوس الأموال الخارجة ينفع دائما؟  لا اذا طالت مدة القيود، فتتزعزع عندها الثقة في المؤسسات مما يسبب أزمات اقتصادية ومالية وحتى نفسية تدفع المواطنين والشركات الى الهجرة.  الحل لمشاكل رؤوس الأمول لا يكون بتعميم التكلفة والأوجاع على الجميع بل بمحاسبة المزنبين والمجرمين الماليين المعروفين وجعلهم يعيدون أموالهم الى الداخل.