بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 حزيران 2026 12:10ص تكامل دولي لإعادة هندسة أمن لبنان: رصد أميركي، قوة أوروبية بديلة، تقنية باكستانية، ودبلوماسية عربية مشروطة شمال الليطاني

حجم الخط
لم تعد الترتيبات الأمنية الجارية في جنوب لبنان مجرد مسودات تفاوضية في أروقة الفنادق؛ إذ دخلت البلاد رسمياً مرحلة «الهندسة السياسية والأمنية الشاملة» غداة التوقيع في واشنطن يوم الجمعة 26 حزيران الجاري على «اتفاق الإطار الثلاثي» بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة.
ورغم اتسام النص المعلن بلغة دبلوماسية عامة تركز على بنود القرار الدولي 1701، إلّا أن القراءة المتأنّية في كواليس التفاوض، والوثائق المسرّبة من أروقة صناعة القرار تكشف أن جوهر الاتفاق الحقيقي يكمن في «ملاحق تقنية» ورسائل ضمانات جانبية حُجبت عن التداول العلني تفادياً لإحداث هزات سياسية داخلية.

• بنود الاتفاق الـ 14 وشياطين الميدان

نشرت وزارة الخارجية الأميركية النص الكامل للاتفاق المتضمن 14 بنداً محورياً، والذي يفرض التزامات متقابلة وصارمة. فعلى صعيد الالتزامات اللبنانية، ينص الاتفاق على إعادة بناء «احتكار الدولة لاستخدام القوة»، وتحقيق نزع السلاح الكامل والموثق لجميع الجماعات المسلحة غير الحكومية في كل أنحاء لبنان. أما على صعيد الالتزامات الإسرائيلية، فيتضمن التأكيد الصريح على أن إسرائيل «لا تملك أي مطامع إقليمية في لبنان»، وربط الانسحاب الميداني بنموذج «قائم على الأداء الفعلي» لا بجداول زمنية مسبقة، وهو ما أكده السفير ليتر علناً.
ورغم التوقيع، فرضت «شياطين الميدان» ظلالها في كواليس الساعات الأخيرة عبر ثلاث نقاط خلافية حادّة؛ أولاها «عقدة تلال علي الطاهر» حيث رفض الوفد اللبناني بحسم طلباً إسرائيلياً بدخول الجيش إلى هذه تلال الواقعة شمال الليطاني قبل إتمام الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب.
الثاني تمثل في «ملف الأنفاق» حيث تفيد مصادر استخباراتية بأن الطرفين توصلا إلى آليات فنية خاصة بـ«التعامل مع أنفاق حزب الله»، يقضي بموجبها الملحق السري بآلية «التفكيك الصامت» عبر وحدات الهندسة في الجيش اللبناني، وضخ الخرسانة المسلحة فيها ومصادرة محتوياتها دون إثارة إعلامية تجنباً للمواجهة المباشرة. وثالث تلك النقاط كان «شرط نتنياهو» الذي أعلنه في بيان مصور بعد ساعات من التوقيع مؤكداً أن «الجيش سيبقى في المنطقة الأمنية طالما لم يقم حزب الله بنزع سلاحه»، واصفاً الاتفاق بأنه «إنجاز تاريخي».

• معادلة الـ Pilot Zones ورسائل الضمانات الجانبية

توضح الوثائق التنفيذية المرتبطة بالاتفاق أن الانسحاب الإسرائيلي وتقدم الجيش اللبناني لا يتمان دفعة واحدة، بل يرتكزان على صيغة جغرافية تُعرف بـ «المناطق التجريبية» (Pilot Zones)، حيث ينطلق التنفيذ من منطقتين تجريبيتين ثم يتوسع بالتوافق المتبادل بناءً على تقارير «لجنة الرصد الدولية» برئاسة واشنطن وعضوية فرنسا، والتي مُنحت صلاحيات تفتيش فورية تُلزم الجيش اللبناني بالتحرك خلال ساعات محددة بناءً على أي إحداثيات استخباراتية لمنع إعادة التسليح.
وفي العُرف الدبلوماسي، تمثل «الرسائل الجانبية» الموقّعة منفردة من واشنطن الضمانة الفعلية لالتزام الأطراف دون حرج علني؛ إذ تمنح الرسالة الأميركية الموجهة إلى إسرائيل التزاماً صريحاً بـ «حق الدفاع النشط عن النفس»، وبموجبها إذا رصدت إسرائيل خرقاً جوهرياً وعجز الجيش اللبناني أو اللجنة الدولية عن التعامل معه ضمن المهلة المحددة، يُعتبر التحرك العسكري الإسرائيلي الموضعي عملاً مشروعاً ولا يشكّل خرقاً للاتفاق.
في المقابل، تتعهد الرسالة الأميركية الموجهة إلى لبنان بضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى ما وراء الخط الأزرق، بالتوازي مع تقديم مساعدات فورية تشمل 100 مليون دولار كدعم اقتصادي، وأكثر من 30 مليون دولار لتعزيز قدرات الجيش، بهدف تمويل وتجهيز الألوية العسكرية والمساعدة في تطويع وتدريب قرابة 10 آلاف جندي إضافي لتثبيتهم في الجنوب.

• الجبهة المضادة والحراك الإقليمي لشمال النهر

في مقابل الاحتفاء الرسمي، أطلق حزب الله هجوماً سياسياً حادّاً؛ حيث أعلن الأمين العام نعيم قاسم أن الاتفاق «مذلة وعار وتنازل عن السيادة ومُنعدم الوجود»، مشدّداً على أن المرجعية هي «مذكرة التفاهم الإيرانية - الأميركية» الموقّعة في سويسرا.
وأمام هذا الاستعصاء، برز معطى دبلوماسي موازٍ يقوده «الرباعي الإقليمي» (السعودية، قطر، مصر، تركيا) لمعالجة المعضلة الأكبر وهي سلاح حزب الله وبنيته شمال نهر الليطاني وحتى نهر الأولي، وهي المنطقة الجغرافية التي لا يشملها الاتفاق الثلاثي.
ويتحرك هذا الرباعي عبر قناتين متوازيتين؛ الأولى هي التنسيق المباشر مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، الوسيط التقليدي بين الدولة وحزب الله، فيما تشير المعطيات إلى أن قيادة الحزب ليست بمعزل عن هذا المسار الهادئ. والقناة الثانية تتمثل في قيادة المملكة العربية السعودية لحراك تأسيس صندوق ائتماني دولي لدعم الجيش، مع ربط تدفقات إعادة الإعمار بمدى نجاح الدولة في فرض الشرعية الحصرية للسلاح، وهو مسار حظي بغطاء فرنسي صريح من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي أشاد علناً بدور الرياض والدوحة في هذا الصدد.

• البديل الدولي لليونيفيل والرافعة التقنية الباكستانية

بموجب القرار الأممي 2790 الصادر في آب 2025 بضغط أميركي - إسرائيلي، ينتهي تفويض قوة «اليونيفيل» الحالية (التي تضم نحو 7500 جندي من 50 دولة) في 31 كانون الأول 2026 لتبدأ مرحلة انسحابها التدريجي عام 2027. ولتدارك هذا الفراغ الميداني الحرج، تبلورت ملامح المنظومة الجديدة عبر مسارين دوليين متكاملين.
المسار الأول هو التحالف الأوروبي البديل الذي يقوده الثنائي (ماكرون - ميلوني)؛ إذ أعلنت فرنسا وإيطاليا في قمة «أنتيب» المشتركة المنعقدة في 25 حزيران عن عزمها إطلاق تحالف دولي متعدد الجنسيات يضم أيضاً ألمانيا وإسبانيا ليحلّ محل اليونيفيل بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وذلك للحؤول دون تحوّل الجنوب مجدّداً إلى قاعدة لتصعيد إقليمي، وهو توجّه رحّب به الرئيس اللبناني جوزاف عون باعتباره التزاماً دولياً بالسيادة، وترتكز الخيارات المطروحة حالياً في مجلس الأمن على قوة تتراوح بين 2000 و5500 عسكري.
المسار الثاني يبرز كالرافعة التقنية الباكستانية، وجاء تظهيره إثر زيارة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل إلى روالبندي بدعوة من المشير سيد عاصم منير. وفي ظل استبعاد وجود قوات باكستانية مقاتلة على الأرض، سيتوجه وفد فني باكستاني قريباً إلى بيروت لتقديم منظومات مراقبة حدودية حرارية وإلكترونية متطورة بكلفة تلائم ميزانية الجيش المحدودة، إلى جانب شبكات اتصالات عسكرية مؤمنة لتمكين الوحدات اللبنانية من إدارة الـ Pilot Zones بكفاءة ذاتية.

• هندسة «اتفاق الإطار» ومعضلة تموضع حزب الله

إن «اتفاق الإطار لعام 2026» يعكس هندسة دولية وإقليمية متكاملة لتوزيع الأدوار؛ حيث تتولى واشنطن صياغة الاتفاق والرعاية العسكرية والتمويل، ويقود الرباعي العربي الدبلوماسية الهادئة لشمال الليطاني، بينما يوفر التحالف الفرنسي الإيطالي القوة البديلة، وتؤمّن باكستان الحماية التكنولوجية لتمكين الجيش اللبناني باعتباره الضامن الشرعي الوحيد على الأرض. ومع ذلك، تبقى هذه المنظومة محكومة بمتغيّر واحد بالغ الحساسية: هل سيجد حزب الله مخرجاً للتموضع الصامت في هذا المشهد الجديد عبر بوابة المصالح الداخلية، أم أن إصراره على اعتبار الاتفاق «منعدم الوجود» سيضعه في مواجهة مباشرة ومستمرة مع الدولة والشرعية الدولية؟