بيروت - لبنان

اخر الأخبار

صحافة أجنبية

30 حزيران 2026 12:05ص من إعلام العدو: المسيانيون يُفسدون الجيش والنخبة العسكرية تعيش سكرة القوة

حجم الخط
ياغيل ليفي

يتكرر في الانتقادات التي يوجهها معسكر الوسط - اليسار إلى السياسة العسكرية الإسرائيلية التعليق على تأثير القوى المسيانية، وطبعاً على الحاجات السياسية لبنيامين نتنياهو. وكان إحياء فكرة الاستيطان في لبنان، ومقتل الجندي غور كهاتي، كافيَين لإشعال ادّعاء «المسيانية» من جديد. من الجدير محاولة دحض هذا الادعاء، لأنه يتيح للوسط - اليسار الإسرائيلي إعفاء نفسه من المسؤولية عن سلسلة الإخفاقات الأخلاقية والاستراتيجية التي شهدتها إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
في شهر آذار/مارس الماضي، نشر مسؤولان كبيران في الجيش، هما العميد الدكتور إيال فخت، القائد السابق لـ»مركز دادو للتفكير العسكري»، والمقدم الدكتور إيتاي حيمينيس، نائب قائد كلية تطوير العقيدة العسكرية، مقالاً في مجلة «بين الأقطاب»التي يُصدرها مركز «دادو». يتناول مقالهما دور القوة العسكرية الإسرائيلية في إقامة نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، تحت عنوان «ملكة الغابة»، ويعرضان تصوّرهما لمفهوم الأمن القومي الذي يجب أن تتبناه إسرائيل، في رأيهما، والتغييرات التي يجب على الجيش أن يستوعبها لتحقيقه.
ويقترح الكاتبان ما لا يقل عن تصوّر استراتيجي جديد: الانتقال من نموذج «الڤيللا في الغابة»، الذي سعت إسرائيل لتحقيقه منذ مطلع الألفية، عبر الحفاظ على الوضع الإقليمي القائم، إلى النموذج الذي أطلقا عليه تسمية «ملكة الغابة». ويتمحور هذا النموذج حول قوة إقليمية تشكل بيئتها بصورة ناشطة ومستمرة، من دون أن تقيدها حدود السيادة. ويعكس مقالهما منطق «الأمن الدائم: محاولة تقليص حالات عدم اليقين، ليس عبر إدارة المخاطر، وإنما عبر إزالتها، بما في ذلك توسيع مجال العمل والسيطرة العسكرية.»
وبحسب رأيهما، فإن «الجيش الإسرائيلي تحوّل إلى قوة إنفاذ إقليمية» تسعى لفرض «تغيير في سلوك الخصم» باستخدام القوة. ولم يعُد الجيش يزيل المخاطر بدافع الحذر من التصعيد والانزلاق إلى الحرب، على غرار ما كان يفعل في إطار «المعركة بين الحروب»، بل أصبح مستعداً لأن «تؤدي عملياته إلى قتال عنيف وطويل الأمد.» وبالتالي فإن احتلال الأراضي في غزة ولبنان يهدف، بحسب هذا التصور، إلى منح إسرائيل عمقاً استراتيجياً وتحسين قدرتها على الردع بالسيطرة على المناطق القريبة من الأصول الحيوية للعدو.
وعليه، لا يمكن تفسير السياسة العسكرية الإسرائيلية بأنها مجرد نزوة للعودة إلى غوش قطيف والاستيطان في لبنان، حتى وإن كان في الجيش والمستوى السياسي مَن يحلم بذلك، ولا بالمصالح الشخصية لنتنياهو. إن فخت وحيمينيس، اللذين ينتميان إلى النخبة الفكرية الجديدة في الجيش، ربما لا يكتبان باسم هيئة الأركان العامة، لكن من المستبعد أنهما كانا سينشران مقالاً يناقض تصوُّرها. وكعادة مركز «دادو»، فإنهما يمنحان هذا التصور أساساً عقلانياً.
لكن ثمة خلل في مقاربتهما، التي تبدو عقلانية، يميّز التفكير العسكري. يفترض فخت وحيمينيس أن إسرائيل فاعل منفرد، قادر على تشكيل النظام الإقليمي وفق إرادته. وهما يتجاهلان مفهوماً أساسياً في العلاقات الدولية، هو «معضلة الأمن»، الذي يفيد بأن أي خطوة تتخذها دولة لتعزيز أمنها يمكن أن تدفع خصومها إلى الرد بالمواجهة، فتفضي في النهاية إلى تقليص أمنها، بدلاً من تعزيزه. ويفترض الكاتبان أن إيران ستواصل معارضتها لإسرائيل، لكنهما لا يبحثان في احتمال أن تنجح إيران في تشكيل نظام إقليمي خاص بها. وهما لا يريان في المسار السياسي بديلاً من الاستخدام المستمر للقوة. وفعلاً، في غضون أسابيع قليلة، تحولت أوهام القوة التي يعكسها مقالهما إلى إحباطٍ لدى كبار قادة الجيش بسبب «ربط الجبهات» بين إيران ولبنان، وهو ما يحدّ من حرية عمل إسرائيل في لبنان. وحتى المقاربة غير المسيانية يمكن أن تقع في سكرة القوة. 

المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية