بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 تشرين الثاني 2025 12:05ص بناء القطاع المصرفي

حجم الخط
يتطور القطاع المصرفي العالمي سريعا ليس فقط في القوانين وانما خاصة في التقنيات الرقمية والمشفرة التي تجعل من عملية اللحاق به صعبة للغاية. لا يتأخر القطاع المصرفي اللبناني فقط عن التطورات العالمية، بل أنه غائب تماما عنها كما عن معظم ما يحصل في الداخل.  كل ما تأخرنا باصلاح القطاع المصرفي اللبناني كل ما تأخرنا عن كل ما يجري في العالم وعن امكانية التعويض عن الوقت الضائع الحالي.  معالجة الخسائر ضرورية وحماية الودائع حتمية، لكن الأهم بناء قطاع مصرفي جديد فعال متطور يخدم الاقتصاد  لعقود قادمة.
كان القطاع المصرفي اللبناني من أفضل القطاعات المصرفية العالمية.  تميز بصوابية القوانين وحسن الادارة والعلاقات الصحية الداخلية والعالمية مع أجهزة التمويل والرقابة والتقييم والتصنيف.  حديثا وللأسف لم يعد القطاع كذلك، اذ تراكمت الأخطاء كما تراكم التهور والاهمال من قبل المصارف نفسها كما من قبل الادارات العامة من مصرف مركزي وحكومات مختلفة.  وحدهم الذين لم يخطئوا هم المودعون الذين لم يفرضوا شيئا على المصارف، علما أن بعضهم استفاد من الفوائد غير الصحية العالية.  لم يفرضوها على المصارف، بل استفادوا من العروض المغرية المبنية هي بدورها على قصر نظر المسؤولين وبعض المودعين وجشعهم.  لذا اعادة بناء القطاع المصرفي اللبناني يفترض توزيع الخسائر بين المخطئين كما احترام سلامة الودائع التي بنيت على سواعد وعقول وجهود المواطنين والعملاء المصرفيين.  اعادة بناء القطاع المصرفي يجب أن تسبق اعادة البناء العامة حتى يتحقق النهوض السريع والصحي.
الموضوع الآخر الذي يجب معالجته والتعلم منه والذي يضر كثيرا على المدى المتوسط هو عمق ارتباط المصارف اللبنانية بالقطاع العام.  تمويل المصارف للعجز وبالتالي للديون العامة يزيد من مخاطرها ويعرقل عملية تمويل الاستثمارات الخاصة.  على المصارف بالتعاون مع الرأي العام الضغط الجدي على الدولة حتى تصحح ماليتها المتردية بسبب الهدر والفساد وتكلفة خدمة الدين.  ان استفادة المصارف من القطاع العام منذ التسعينات عبر تمويل عجزه بأسعار باهظة فرض عليها الدخول معه في شراكات اضافية مضرة.  المطلوب ابعاد المصارف عن القطاع العام وتمويله ومشاكله وليس ربطها أكثر به.  هذا هو تحد كبير للجانبين لمصلحة الاقتصاد اللبناني.
من أكثر القطاعات تطورا في العالم في التقنيات والتشريعات هي المصارف.  منذ توصيات «بازل-1» وثم «بازل-2» وغيرها الصادرة عن بنك التسويات الدولية، مرورا بالقوانين الدولية والاقليمية والمحلية، تعيش المصارف أوقاتا انتقالية مصيرية وصعبة.  متابعة هذه التطورات واجبة من قبل الجميع بسبب أهمية المصارف في تحريك الاقتصاد.  لا يمكن تصور بناء اقتصاد حديث متطور مع قطاع مصرفي فاسد وغير فاعل.  لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي مقبول ومستمر في غياب الأدوات المالية المناسبة.  تسارعت التطورات المصرفية مؤخرا بسبب تقدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمعلوماتية.  ساهمت الأزمات المصرفية في تعديل بعض التشريعات الدولية والوطنية لتشديد مكافحة تبييض الأموال ومتابعة ومنع تمويل الحركات السياسية المرتبطة بالارهاب.  ضربت السرية المصرفية المحلية والدولية نتيجة التطورات السياسية والأمنية التي فرضت نفسها على القوانين المالية.
ما يجري في أميركا يؤثر على القطاع المالي العالمي بسبب ضخامة المصارف الأميركية وتوسعها. تؤثر أميركا على قرارات بنك التسويات الدولية وبالتالي على ما يصدر من توصيات تعتبر عمليا ملزمة.  تحتوي البورصات الأميركية على حوالي نصف قيمة الأسهم المتبادلة دوليا وبالتالي تتوجه اليها أنظار المستثمرين العالميين.  يمكن قراءة التطورات الأساسية في القطاع المصرفي الدولي عبر تأثير عمليات الدمج المصرفية على المنافسة. تشير الاحصائيات الى استفادة المصارف ماليا من توسيع عملياتها بسبب عامل «وفورات الحجم»، لكن استفادتها من تنويع الأعمال واضافة خدمات جديدة غير محسومة. فالقوانين الدولية تسهل أكثر فأكثر على المصارف تقديم الخدمات التجارية والاستشارية والاستثمارية بالاضافة الى التأمين الذي كان منفصلا.
هل تتحول المصارف مع الوقت الى الكترونية فقط بفضل انتشار الانترنت والحواسب؟  معظم المصارف يقدم اليوم الخدمات الالكترونية للحفاظ على الزبائن وليس بالضرورة لزيادة عددهم.  استعمال المواطن لبطاقات الدفع الالكترونية وللصراف الآلي يزيد دوليا مع ازدياد الوعي والمعرفة.  يجب التأكد من سلامة العمليات الالكترونية الدولية، اذ أن المسيئين اليها لأسباب مالية أو سياسية ما زالوا نشطين ويسعون الى خرقها.  يجب تعزيز الثقة بالتبادل الالكتروني المالي الدولي حتى يزداد حجم أعماله.  قسم من المواطنين يفضل التعامل مع الأشخاص وليس مع الآلة، أي يعلق أهمية كبرى على حسن الاستقبال والعلاقة الشخصية المباشرة المعززة للثقة.  فالخدمات الالكترونية لن تسحق الخدمات التقليدية حتى في الدول الأكثر تقدما.
أما التكنولوجيا حتى المتطورة أي الرقمية والمشفرة فتعزز الثقة.  ماذا يريد المواطن من المصرف؟  أن يكون مطمئنا الى سلامة ودائعه وأن تنفذ مطالبه بسرعة دون أخطاء وبسرية.  فالثقة العامة هي ركيزة أي عمل مصرفي. غياب الثقة يعني هجرة رؤوس الأموال الى الخارج أي الى حيث تتوافر العوامل المطمئنة الكافية.  توافر الثقة الشعبية المحلية في القطاع المصرفي يساهم في انجاحه ونموه وتعزيز سمعته.