لم يقدِّم خطاب الرئيس دونالد ترامب، فجر أمس الأول، أي تطمينات للمجتمع الدولي الذي يترقّب نهاية للحرب مع إيران، والرازح أصلًا تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة تنذر بالأسوأ إذا ما استمرّ الصراع لفترة أطول. ويزداد القلق مع استمرار إيران في التلويح بإقفال مضيق هرمز، ما يعني أزمة محروقات عالمية وتهديدًا جديًا لسلاسل إمدادات الغذاء، فضلًا عن ارتفاع جنوني في أسعار المواد الأولية والأساسية.
ومع استمرار الخطاب الضبابي، وغياب المعطيات الدقيقة حول الواقع الميداني، وعدم وجود مراجعة موضوعية للأهداف، أو شفافية في تحديد المهل الزمنية لإنهاء الحملة العسكرية، تبقى المنطقة مفتوحة على مزيد من التصعيد. وفي هذا السياق، يظلّ الشرق الأوسط مسرحًا لتبادل الرسائل العسكرية، فيما يبقى لبنان عالقًا في موقع ورقة تفاوض تستخدمها إيران لتحسين شروطها، من خلال توزيع الضغط العسكري على إسرائيل، ولا سيما عبر فتح الجبهة اللبنانية في عمليات مساندة متزامنة.
ومع تسارع وتيرة التصعيد تمهيدًا لجولات تفاوضية يسعى فيها كل طرف إلى تحسين موقعه وتسويق «انتصاراته»، يبقى مصير الورقة اللبنانية مرهونًا بالمفاوض الإيراني، إلى أن تستعيد الدولة اللبنانية قرارها السيادي. ويقتضي ذلك ترجمة قرارات الحكومة بحصرية السلاح بيد الشرعية، وحصر قرار السلم والحرب بالمؤسسات الرسمية، والانخراط في مبادرة رئيس الجمهورية للتفاوض المباشر، كخيار واقعي لتجنيب البلاد مزيدًا من الدمار.
فهذا المسار قد يشكّل مخرجًا لتفويت الفرصة على أي مخططات توسعية، بدءًا من فرض مناطق عازلة، وصولًا إلى تهجير قرى بأكملها، بما يهدد البنية الديموغرافية والاقتصادية في الجنوب. وقد أثبتت التجارب أن أي ربط عضوي بين المسارات الإقليمية لا يصمد أمام منطق المصالح، وأن الضمانات السياسية سرعان ما تتلاشى في دهاليز التسويات.
وفي هذا الإطار، يتبيّن أن الرهان على ضمانات خارجية ليس كافيًا، إذ قد يجد لبنان نفسه وحيدًا في مواجهة تداعيات أي تسوية، في ظل تراجع استعداد بعض الدول لتقديم الدعم، وتحميلها الدولة اللبنانية مسؤولية ضبط السلاح غير الشرعي. من هنا، تبرز أهمية تعزيز الجبهة الداخلية وتوحيد الرؤية الوطنية خلف مؤسسات الدولة، باعتبارها الضمانة الوحيدة لجميع المواطنين دون استثناء.
فالسلطة الشرعية، رغم الانتقادات، تبقى الجهة الوحيدة القادرة على إدارة الأزمات، واحتواء التداعيات الإنسانية والاجتماعية، والعمل لاحقًا على إعادة الإعمار. كما أن استعادة القرار السيادي تتطلب مقاربة واقعية توازن بين التحديات والقدرات، وتمنع الانزلاق إلى مواجهات غير متكافئة.
وفي الختام، تصحّ مقولة هنري جون تمبل: «ليس لبريطانيا أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، بل لها مصالح دائمة»، وهي قاعدة لا تزال تحكم سلوك الدول حتى اليوم، حيث تبقى المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.