بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 حزيران 2026 12:40ص من البنتاغون.. إلى صور والنبطية

حجم الخط
تزامنت الجولة الأولى من المحادثات العسكرية اللبنانية – الإسرائيلية في البنتاغون مع واحدة من أعنف موجات التصعيد التي شهدها لبنان في تاريخه الحديث. فإسرائيل لم تكتفِ هذه المرة باستهداف مواقع عسكرية أو بنى تحتية، بل ذهبت إلى ما هو أبعد، مستهدفة مواقع أثرية ومبانٍ تراثية ومعالم تاريخية تشكل جزءاً من ذاكرة اللبنانيين وهويتهم الوطنية. وكأن الحرب لم تعد تستهدف الحاضر فقط، بل أصبحت تستهدف الماضي أيضاً، في محاولة لطمس الشواهد الحضارية التي تختزن تاريخ الجنوب ولبنان بأسره.
وفي الوقت الذي كانت الوفود العسكرية تجلس إلى طاولة التفاوض بحثاً عن مخرج للأزمة، كانت القرى والبلدات اللبنانية تتعرض لمزيد من التدمير، وكان عدد النازحين يتزايد بصورة تفوق قدرة الدولة والمجتمع على الاحتمال. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ماذا حقق استمرار الحرب للبنان؟ وماذا بقي من المبررات التي تُستخدم لتسويغ بقاء البلاد في قلب هذه المواجهة غير المتكافئة؟
الواقع أن رئيس الحكومة نواف سلام لم يقل سوى الحقيقة عندما أكد أن «التفاوض أقل كلفة من الحرب». فالتفاوض لا يهدم قرية، ولا يشرّد عائلة، ولا يدمر موقعاً أثرياً، ولا يضيف أعباء جديدة على اقتصاد منهار أصلاً. أما الحرب، فقد أثبتت مجدداً أنها الطريق الأسرع نحو المزيد من الخراب والخسائر، خصوصاً عندما تكون موازين القوى مختلة بهذا الشكل الفادح.
أما حزب الله، فيبدو اليوم أمام مأزق سياسي وعسكري غير مسبوق. فالحزب الذي خاض المواجهة تحت عنوان إسناد المحور الإقليمي الذي ينتمي إليه، والثأر لإغتيال الإمام الخامنئي، يجد نفسه في مواجهة حقائق يصعب تجاهلها. فإيران، التي تمثل المرجعية السياسية والاستراتيجية لهذا المحور، تعيش منذ أشهر في ظل هدنة مستقرة على جبهتها المباشرة، وتواصل مفاوضاتها واتصالاتها مع الولايات المتحدة، الخصم الذي لطالما وصفته الأدبيات الخمينية» بأنه «الشيطان الأكبر».
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: لماذا يستمر لبنان وحده في دفع ثمن الحرب، فيما تتجه القوى الإقليمية الأساسية إلى التهدئة والتفاوض؟ ولماذا يُطلب من القرى اللبنانية أن تتحمل الدمار والتهجير، فيما تُدار الملفات الكبرى عبر القنوات السياسية والدبلوماسية؟ فهل يحق لإيران ما لا يحق للدولة اللبنانية؟ 
الأخطر من ذلك أن استمرار الحرب بدأ يولّد تحولات داخل البيئة الجنوبية نفسها، وهي تحولات لم يكن من السهل تصورها قبل سنوات قليلة. فقد شكل البيانان الصادران عن فعاليات وأهالي مدينتي صور والنبطية محطة سياسية لافتة تستحق التوقف عندها بجدّية. فالمطالبة الصريحة بتسلم الجيش اللبناني مسؤولية الأمن في المدينتين، وإعلانهما منطقتين خاليتين من السلاح، لا يمكن اعتبارها مجرد موقف عابر، أو رد فعل ظرفي على ظروف الحرب.
هذه المطالب تعكس، للمرة الأولى بهذا الوضوح، حالة اعتراض متنامية داخل المجتمع الجنوبي على استمرار المعادلة السابقة التي قامت على احتكار حزب الله للقرار الأمني والعسكري. كما تعكس اقتناعاً متزايداً بأن حماية الوطن والناس ومصالحهم لم تعد تتحقق من خلال بقاء السلاح خارج إطار الدولة، بل عبر عودة الدولة نفسها إلى ممارسة كامل صلاحياتها الأمنية والعسكرية.
والأهم أن هذه الدعوات لا تصدر من خصوم الحزب السياسيين، بل من بيئة دفعت أثمان الحروب المتعاقبة من دماء أبنائها وأرزاقها ومنازلها، وما عادت قادرة على تحمُّل المزيد من الكوارث والمأسي وما تسببه من الأوجاع والآلام.  ولذلك فإن دلالاتها السياسية والشعبية تتجاوز حدود المدينتين لتطرح سؤالاً وطنياً كبيراً حول مستقبل الجنوب ومستقبل العلاقة بين الدولة والسلاح.
لقد أثبتت التجارب المريرة أن لبنان لا يستطيع الاستمرار في العيش بين دولتين وقرارين واستراتيجيتين متناقضتين. كما أثبتت أن مغامرات الحروب المفتوحة لا تنتج استقراراً دائماً، بل تؤدي إلى استنزاف المجتمعات وتدمير مقومات الحياة فيها.
الواقع إن الصرخة التي خرجت من صور والنبطية، من تحت أنقاض القرى المدمرة، ومن أنين وأصوات الأهالي المرهقين من الحروب، حملت رسالة واضحة للجميع تؤكد أن مستقبل لبنان لا يُبنى على قاعدة تفرُّد حزب أو فئة بقرار الحرب والسلم، بل على استعادة الدولة لقرارها الكامل، وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، وأن خيار التفاوض والديبلوماسية يبقى السبيل الأفضل لحماية الوطن والناس، لا تركهم رهائن لحروب لا يملكون قرار إشعالها ولا قرار إطفائها. .. ولا القدرة على مواجهة تداعياتها.