بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 حزيران 2026 12:00ص عبد الله بن حمد العطية.. اسم سيبقى في ذاكرة اللبنانيين

حجم الخط
في السياسة العربية، نادراً ما يُجمع الناس على رجل. السياسة هنا غالباً مساحة انقسام، لا مساحة محبة. وحين يرحل مسؤول عربي كبير، تنشغل العواصم عادةً بسرد المناصب والألقاب والإنجازات الرسمية. لكن هناك رجالاً يتركون شيئاً أعمق من السلطة: يتركون أثراً إنسانياً يجعل الناس يشعرون أن الدولة يمكن أن يكون لها وجه دافئ أيضاً.
عبدالله بن حمد العطية كان من هذا النوع النادر.
برحيله، لا تخسر قطر فقط نائب رئيس وزراء ووزير نفط سابقاً ساهم في بناء نهضتها الحديثة، بل يخسر لبنان أيضاً صديقاً حقيقياً أحبّه بمحبة صادقة قلّ نظيرها في عالم السياسة.
لم يكن العطية بالنسبة إلى اللبنانيين مجرد مسؤول خليجي رفيع. كان اسماً ارتبط بصورة الرجل الذي فتح قلبه للبنان كما فتح له أبواب قطر. رجلٌ فهم أن العلاقات بين الدول لا تُبنى فقط بالمصالح والاتفاقيات، بل أيضاً بالاحترام الإنساني، والاحتضان، والشعور الصادق تجاه الناس.
وفي بلد مثل لبنان، حيث يختلف اللبنانيون على كل شيء تقريباً، نجح عبدالله بن حمد العطية في تحقيق أمر نادر: محبة عابرة للطوائف والسياسة والانقسامات. حتى إن كثيرين كانوا يقولون، بنصف مزاح ونصف حقيقة، إنه لو كان يُسمح للقطريين بالترشح للانتخابات اللبنانية، لكان قادراً على الفوز بسهولة. لم تكن تلك مجرد دعابة لطيفة، بل تعبيراً صادقاً عن حجم التقدير الذي حظي به الرجل داخل لبنان وبين اللبنانيين المقيمين في قطر.
ومن بين المحطات التي ستبقى شاهدة على تلك العلاقة الخاصة، مساهمته الأساسية في تأسيس المدرسة اللبنانية في قطر. لم يتعامل مع المشروع كملف إداري أو مبادرة بروتوكولية، بل كقضية إنسانية وثقافية تخص جالية أحبّها وآمن بدورها. ساهم في تأمين الأرض، ورعى المؤسسة، وواكب إنشائها بإيمان واضح بأن اللبنانيين يستحقون مؤسسة تربوية تحافظ على هويتهم وتمنح أبنائهم شعور الاستقرار والانتماء.
كان يدرك أن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في الغاز والطاقة والبنية التحتية، بل أيضاً في الإنسان والتعليم والعلاقات طويلة الأمد. وربما لهذا السبب بقي قريباً من اللبنانيين، ليس فقط كمسؤول، بل كصديق يعرف كيف يصغي، وكيف يساعد، وكيف يترك أثراً طيباً في حياة الناس.
لقد لعب دوراً مهماً في تطوير العلاقات اللبنانية - القطرية في مراحل مفصلية، وساهم في ترسيخ صورة قطر داخل الوجدان اللبناني كدولة قريبة من لبنان، حاضرة عند الحاجة، ومهتمة بما يتجاوز الحسابات الضيقة.
وفي عالم عربي باتت السياسة فيه قاسية وباردة ومثقلة بالصراعات، يبدو رحيل شخصيات مثل عبدالله بن حمد العطية تذكيراً نادراً بأن بعض رجال الدولة استطاعوا أن يجمعوا بين النفوذ والإنسانية، بين القوة والتواضع، وبين الموقع الرسمي والمحبة الحقيقية.
برحيله، تطوي قطر صفحة أحد رجالاتها الكبار الذين رافقوا مرحلة التحوّل الكبرى للدولة، من دولة خليجية صاعدة إلى لاعب عالمي مؤثر في الطاقة والسياسة والدبلوماسية. لكن بعض الرجال لا يُختصر إرثهم بالمناصب التي شغلوها، بل بالمحبة التي تركوها خلفهم. وهذه ربما كانت أعظم ثروة امتلكها الرجل.
سيبقى اسم عبدالله بن حمد العطية في ذاكرة كثير من اللبنانيين مرتبطاً بصورة الصديق الوفيّ، والرجل الذي أحب لبنان من دون ضجيج، وخدم العلاقات اللبنانية - القطرية بمحبة صادقة، وترك ورائه ما هو أهم من السياسة: ذكرى جميلة يصعب أن تغيب.

رئيس جمعية الصداقة اللبنانية - القطرية