لن تكون السياسات الاقتصادية فاعلة اذا لم تحرك مشاعر المواطنين. كي تكون أي سياسات عامة جدية ومؤثرة يجب أن تفهم عقل ونفسية المواطن. فانسان اليوم لا يأتمر بسهولة بما يطلب منه، بل يجب أن يقتنع بالسياسات. من الممكن أن تحاكي السياسات العقل أي المنطق، لكن الأهم أن تحاكي المشاعر التي تحرك الانسان وتدفعه الى تنفيذ ما يطلب منه. لذا علاقة العلوم الاقتصادية بالنفسية كبيرة جدا وربما أقوى من علاقة الاقتصاد بالعقل والأعصاب.
المعروف أن الأزمات المالية تحصل دوريا وتسبب الخسائر للمستثمرين. الأزمات هي سقوط الأسعار بسرعة وبنسب عالية. من قال أن الأسعار المتداولة أصلا تعبر فعلا عن قيمة الأصول أو السلع وأنها ليست منتفخة. عندما لا تعبر الأسعار عن القيمة الحقيقية، من الطبيعي أن ترتفع أو تسقط فجأة. ما يحصل اليوم بشأن أسعار «البيتكوين» مدهش ومخيف وسبب مؤخرا خسائر كبرى لهواة الأسواق. ما يميز «البيتكوين» عن بقية العقود انها غير مرتكزة على سلعة واضحة أي ذهب أو نحاس أو غيرها، بل لها قيمة معنوية ونفسية تفرض تقلبها الكبير والمفاجئ. كان هنالك وعي وتنبه دوليين بشأن خطورة «البيتكوين»، لكن هذا الحذر غاب مؤخرا مما يفسر التقلبات الخطيرة التي أطاحت بأرباح 2025.
لماذا يلجأ المستثمرون الى الأسواق الخطرة؟ طبعا للربح الكبير والسريع. لكن هذا يمكن أن لا يحصل أو يكون مؤقتا. هل هنالك مشكلة في الأسواق العادية الكلاسيكية التي تدفع المستثمرين الى الهروب منها واللجوء الى الأسواق الرقمية والمشفرة؟ تشير الاحصائيات الى أن من يتصرف بتهور أو يغامر يربح أحيانا ويخسر مرات أخرى. هل يتعلم الانسان دائما من أخطائه؟ لا تشير الوقائع الى التعلم خاصة اذا كانت تكلفة التعليم مرتفعة أي دراسة طويلة وتدريب باهظ التكلفة. تشير الوقائع الى أن من جرب حظه في السوق وخسر، يحاول مجددا.
تقول العلوم الاقتصادية الأساسية أن الأسعار تعكس كل المعلومات المرتبطة بعاملي العرض والطلب. في الحقيقة المعلومات ليست دائما متوافرة بسرعة وبشكل كامل وصحيح، مما يسبب خضات وخسائر. فالأسواق لا تعطي دائما نتائج فضلى، اذ غالبا ما تكون هنالك عوائق تعرقل توازنها. من هذه العوائق صعوبة التواصل بين الأسواق الجغرافية المختلفة كما أن تصرفات الانسان ليست دائما فضلى أو كما تفترضه العلوم الاقتصادية المبنية على «مبدأ» أن الانسان منطقي ويسعى دائما للفوز.
الاقتصادي «هربرت سايمون» Simon كان أول من اعترض على «المبدأ» ووضع نظرية «المنطق المحدود» مما ساهم في حصوله على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1978. من نتائجها أن الانسان يتصرف أحيانا بمنطق مقبول وليس مرتفع، أي يمكن أن يكون متفائلا أو متشائما مما ينعكس على تصرفاته. من الممكن أيضا أن يستثمر الانسان في السوق دون الحصول على معلومات كافية وصحيحة، وهذا خاطئ.
لم تتوقف الدراسات المماثلة مع «سايمون» بل توسعت مع الوقت لتصل الى «ريتشارد تايلر» Thalerفيحصل في 2017 على جائزة نوبل للاقتصاد. ارتكزت نظريات تايلر على دمج علم النفس بالاقتصاد فوسعه وأنسنه فتعلقت به حكومات عدة بدأ من بريطانيا التي أنشأت وحدة خاصة له في رئاسة الوزراء. فلماذا لا ننشئ وحدة مماثلة في رئاسة الحكومة اللبنانية تشجع المواطنين على التصرف في اتجاهات معينة بارادتهم كدفع الضرائب مثلا. اذا عرف الاقتصاديون كيف يفكر المواطن، يمكنهم توجيهه نحو التصرف الأفضل له ولعائلته كما للمجتمع. هنالك وقائع تشير الى أن الانسان يشعر بالخسارة أكثر بكثير من الربح، يقيم الأصول التي يملكها أكثر بكثير من تلك المملوكة من غيره مما يقيد عمليات التبادل التجاري.
عندما يحصل المواطن على فاتورة بطاقة الائتمان، يسددها من حسابه الجاري وليس من حساب التوفير لأن ذهنية الحفاظ على التوفير تبقى في عقل الانسان للحماية ولمواجهة أيام سوداء. عندما تنخفض أسعار النفط، يتحول المواطنون الى النوعية الأفضل بدل الاستفادة من الأسعار الأدنى. معظم أصحاب سيارات الأجرة يضعون لأنفسهم هدفا ماليا محددا لليوم الواحد، وبالتالي يتوقفون عن العمل باكرا في الأيام التي تضج بالزبائن كما يعملون ساعات أطول في الأيام التي ليس فيها طلب مرتفع. تصرف السائق هو كذلك لأن الهدف محدد مسبقا.
في بريطانيا ومنذ سنة 2012 وبتوجيه من «تـايلر» أعطي الموظفون حرية الانضمام الى شركات الضمان الاجتماعي الخاصة كما طريقة الانضمام. خيروا بين تسديد مساهمتها في الشركة مباشرة أو سحبها من الأجر شهريا وقيام رب العمل بالتسديد عنهم. الخيار الثاني الذي أعتمد ساهم في زيادة التوفير العام مما انعكس ايجابا على أوضاع العمال واستقرارهم. دفع المواطن نحو الخيار الصحيح بحرية هو قلب النظريات الجديدة. في مسألة تبرع الأعضاء، اعتمدت اسبانيا على نظريات تايلر التي تفترض أن كل مواطن متبرع الا اذا اختار العكس. اسبانيا هي المصدر الأول في العالم للأعضاء الجاهزة للزرع. بعض الخبراء يعارضون طريقة الاختيار المعكوسة، الا أن السياسة أعطت نتائج ايجابية.