ما يجري في سوريا اليوم هو عنوان مرحلة جديدة في المنطقة كلها، وليس فقط في بلاد الأمويين، نظراً لأهمية الدور السوري في الحركة الإقليمية، وتأثيره في مسار القضايا العربية، قبل أن يعزل بشار الأسد دمشق عن محيطها القومي.
سوريا إفتتحت مواسم الإنقلابات العسكرية في العالم العربي عام ١٩٤٩، إثر وقوع نكبة فلسطين ١٩٤٨، حيث أطاح العقيد حسني الزعيم بالحكومة السياسية، ثم ما لبث شريكه في السلطة العقيد سامي الحناوي أن إنقلب عليه بعد أشهر، الذي عاجله العقيد أديب الشيشكلي بإنقلاب ثالث قبل أن يحتفل بمرور سنة على وجوده في السلطة!
وصول تحالف «جبهة تحرير الشام» إلى السلطة، سيغير خريطة التحالفات الإقليمية، ويسطّر نهاية نمط سياسي وعقيدي ساد في العقود الأربعة ألأخيرة، وأدخل إيران في صلب القضايا الساخنة في المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. التي شهدت برودة عربية في تلك الفترة، فتقدمت طهران للإمساك بالطرف العسكري للمقاومة الفلسطينية، لتتحول لاحقاً إلى ستارٍ لإخفاء نوايا التنظيمات المسلحة التي رعتها إيران تحت شعار «تحرير القدس»، والتي سرعان ما كشفتها التطورات المحلية في بلدانها بأنها مجرد أذرع عسكرية للنظام الإيراني للهيمنة على مقدرات عدد من الدول العربية، حيث لم يتردد أحد مسؤولي الحرس الثوري، بالإعلان بأن إيران تسيطر على أربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، مؤكداً سعي بلاده لإنشاء الهلال الشيعي، أي الفارسي، في قلب الوطن العربي.
ولكن حرب غزة المدمرة، وما تسببت به في حرب مماثلة في لبنان، والضربات الموجعة التي أصابت حركة «حماس» في القطاع، وإستشهاد قيادات الصف الأول، ثم ما لحق بحزب لله من خسائر فادحة في قياداته السياسية والعسكرية، وحجم الدمار الكبير الذي خلفه العدوان الإسرائيلي الوحشي في الجنوب والبقاع، وفي بيروت وضاحيتها الجنوبية، أدت إلى إنهاك المحور الإيراني، الذي إفتقد المشاركة العراقية الفاعلة في معركتي غزة ولبنان، وذلك نتيجة ضغوط أميركية مباشرة على بغداد.
وجاءت مناورات «البينغ بونغ» التي في الضربات العسكرية المتبادلة بين طهران وتل أبيب، لتكشف فوارق ميزان القوى بين الطرفين، وعدم قدرة إيران الذهاب بعيداً في المواجهة العسكرية المباشرة مع الدولة الصهيونية، تجبناً لتعريض مشروعها النووي ومنشآته الإستراتيجية للخطر، بعد التهديدات الأميركية بالتدخل العسكري المباشر، بحجة الدفاع عن الكيان الإسرائيلي.
شجع الوهن الذي أصاب محور الممانعة بعد حربي غزة ولبنان، خصوم إيران على توجيه الضربة القاضية لنظام الأسد، الجسر الأساسي لهذا المحور وإمتداداته في الجسم العربي، والقضاء على كل ما إستثمرته طهران في سوريا ولبنان، لتوسيع نفوذها الإقليمي، والهيمنة على مقدرات المنطقة العربية.
أين الخط الأحمر الإيراني بعد سقوط خطوط الدفاع الإستراتيجية خارج إيران؟
الجواب يحتاج إلى حديث آخر.