بين تفاهم إسلام آباد والإطار الثلاثي في واشنطن... اتفاقات مزدوجة ولبنان في دوامة المراوحة بين الطرفين
ثمّة قطبة مخفية في ثنايا المشهد السياسي الممتد من لبنان إلى إسلام آباد، على خلفية ملفات التسوية التي يُراد إنضاجها على نار حامية، سواء بين طهران وواشنطن من جهة، أو بين لبنان وتل أبيب من جهة أخرى، وسط أفخاخ ومطبات قد لا يكون تجاوزها سهلاً، ولا سيما أن المسارات المزدوجة تكاد تعيد خلط الأوراق والعودة إلى المربع الأول، أي إلى «التفاوض بالنار والميدان».
ورصدت أوساط متابعة، في معايير الاتفاقات المطروحة، مساحةً واسعة من الغموض، مبنية على نوايا قد لا يعترف بها طرفا التفاوض الأساسيان، الأميركي والإيراني، في وقت يتمسّك فيه كل منهما بمسوداته القابلة للتأويل والتحليل، كلٌّ وفق رؤيته لمخرجات أوراق التفاهم وأهداف الاتفاق الإطاري.
ومن هنا، يمكن البناء على المرحلة المقبلة وما قد تحمله لمنطقة الشرق الأوسط خلال شهر تموز من مشهدية دبلوماسية متعددة الأوجه والاتجاهات والأهداف. ففي الوقت الذي تحاول فيه الإدارة الأميركية تقديم نفسها بوصفها صانعةً للسلام في المنطقة، تكشف المعطيات الأخرى، من خلال القراءة بين سطور الوثيقتين اللتين رعتهما واشنطن، الأولى في «مذكرة إسلام آباد» مع طهران، والثانية في «الاتفاق الإطاري» مع لبنان والكيان الإسرائيلي، عن محاولات هندسة أميركية للملفين، سياسياً وأمنياً، بصورة تبدو مزروعة بالألغام والأفخاخ، ومن دون تحديد مسار نهائي واضح، لا يزال متذبذباً بين مختلف أطراف النزاع.
ويبرز ذلك بصورة خاصة في الصياغة الأميركية المطاطة، بحسب توصيف المراقبين، الذين يتساءلون عن أسباب عدم إرساء استقرار حقيقي، بما يؤسس، في رأيهم، لمواجهات مستقبلية قد تضع المنطقة مجدداً على فوهة بركان متعدد الجبهات والامتدادات الجغرافية.
ويظهر التناقض بصورة أوضح عند مقارنة الضمانات الأميركية الواردة في الوثيقتين. إذ تنص الفقرة الأولى من وثيقة التفاهم بين واشنطن وطهران، الموقّعة في إسلام آباد، على تعهد الولايات المتحدة لإيران بوقف دائم للعمليات العسكرية، بما في ذلك الساحة اللبنانية، وهو بند يقترن بما ورد في الفقرة التاسعة، التي تُفهم، وفق القراءة المطروحة، على أنها تعني وقفاً للقتال مع بقاء البنية العسكرية لـ«حزب االله» مصانةً بوصفها جزءاً من معادلة الردع الإقليمي التي تفاوضت عليها طهران وأصرّت على إدراجها في نص التفاهم.
وهذا يدفع إلى طرح السؤال الآتي: إذا كان الإطار الأول من ورقة التفاهم الأميركية - الإيرانية قد أُبرم بين الطرفين، فما جدوى «بيان الإطار الثلاثي» الأميركي - اللبناني - الإسرائيلي، إذا كان الأخير ينسف عملياً التعهدات الواردة في ورقة إسلام آباد؟
ذلك أن واشنطن، وإن كانت ملتزمة أمام تل أبيب، وفق الفقرة الثانية، بأن أي انسحاب إسرائيلي من لبنان مشروط بالتحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك بنيتها التحتية، بحسب توصيفها، فإن ذلك لا يقتصر، وفق هذه القراءة، على سلاح «حزب االله» وحده، بل يمتد إلى البيئة الحاضنة للمواجهة مع الكيان الإسرائيلي، ولا سيما في القرى الجنوبية.
وبذلك، تبدو واشنطن، وكأنها تبيع بوليصة تأمين واحدة لطرفين منفصلين، يختلفان في الجغرافيا والتاريخ، ويحكم العلاقة بينهما عداء مزمن قابل للانفجار في أي لحظة. وهذا لا يترك سوى احتمالين: إما أن تتراجع الإدارة الأميركية عن تعهداتها الواردة في تفاهم إسلام آباد، وإما أن تتنصل من الضمانات التي قدمتها لتل أبيب وبيروت. وفي كلا الاحتمالين، تبرز علامات استفهام كبيرة حول السلوك الأميركي في مقاربة الملفين، مجتمعين أو منفصلين.
ومن هنا، فإن الربط بين الفقرة الثالثة من التفاهم، والخطوتين الأولى والثانية من الملحق الأمني في الإطار الثلاثي، يكشف، وفق هذه القراءة، عن خلل بنيوي ومنطق إجرائي يفتقر إلى الانسجام. فالانسحاب الإسرائيلي، بحسب الآلية المقترحة، ليس انسحاباً فورياً تعقبه سيطرة الدولة اللبنانية، بل هو انسحاب تدريجي ومؤجل، يرتبط باستكمال عملية نزع السلاح في ما سُمي بـ«المناطق التجريبية»، وهي صيغة لم تحظَ بأي تأييد يُذكر لدى القوى السياسية الفاعلة في الجنوب، وفي مقدمتها رئيس مجلس النواب نبيه بري.
أما على المستوى الأمني، فيُنظر إلى هذا الإجراء بوصفه فخاً قانونياً ولفظياً يمنح الكيان الإسرائيلي حق الفيتو الميداني؛ إذ يكفي أن تدّعي إسرائيل عدم اكتمال تنفيذ إجراءات «التطهير الأمني» المنصوص عليها في الملحق الأمني، حتى تكتسب مبرراً للاستمرار في البقاء، بما يحول وجودها إلى أمر واقع ذي غطاء دولي ورسمي، ويجعل أجزاءً من الأراضي اللبنانية منطقةً عازلة تخضع باستمرار للتقييم الأمني الإسرائيلي.
وفي المحصلة، يبدو لبنان عالقاً في دوامة المراوحة بين ورقتين: تفاهم واشنطن - طهران من جهة، والإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، فيما لا تزال الاستنتاجات النهائية عاجزة عن حسم موقع لبنان في خريطة التسويات والتموضعات الجديدة في المنطقة.






