ما الذي ينتظر لبنان؟
ليست المرة الأولى التي أقرأ فيها أخبارًا عن ضغوط دولية، أو لجان ثلاثية، أو خرائط أمنية، أو مواعيد لانتشار الجيش. وربما لن تكون الأخيرة. لكن في كل مرة أجد نفسي أتوقف عند سؤال واحد: لماذا أصبح مستقبل لبنان يُقرأ في التسريبات قبل أن يُقرأ في مؤسسات الدولة؟
هذا السؤال لا يعبّر عن موقف سياسي، بقدر ما يعكس قلقًا إنسانيًا ووطنياً. لأن الشعوب تحتاج إلى اليقين كي تبني حياتها، بينما نحن نعيش منذ سنوات على الاحتمالات. نستيقظ كل صباح على سيناريو جديد، وكأن وطننا أصبح مشروعًا مفتوحًا على كل الاحتمالات، إلا احتمال الاستقرار.
من الطبيعي أن تتحرك الدول وفق مصالحها. هكذا تعمل السياسة الدولية منذ نشأة الدول، ولن يتغير ذلك. الولايات المتحدة ليست جمعية خيرية، وإسرائيل لا تتخلى عن حساباتها الأمنية، وكذلك كل القوى الإقليمية والدولية. لا أحد يتحرك بدافع العاطفة. لكن ما يقلقني هو أننا، في كل مرة، ننشغل بتحليل مصالح الآخرين، فيما نتوقف عن السؤال عن مصلحتنا نحن.
أين الرؤية اللبنانية؟
وأين المشروع اللبناني؟
وأين القرار الذي يجعل الآخرين يتعاملون معنا كدولة، لا كمساحة تتقاطع فوقها المصالح؟
قد يقرأ البعض هذا الخبر فيراه مؤشرًا إيجابيًا، وقد يراه آخرون مصدرًا للقلق. أما أنا فأقرأ ما هو أبعد من ذلك.
أقرأ شعبًا أنهكته الحروب، وأتعبه الانتظار، حتى أصبح يتعلّق بأي خبر علّه يحمل نهاية لهذا النزيف المستمر. لكن المشكلة أن اللبناني لم يعد يخاف من الحرب فقط، بل أصبح يخاف من السلام أيضًا... لأنه لا يعرف أي سلام ينتظره، ولا بأي ثمن سيأتي، ولا أي وطن سيتركه لأولاده.
أكثر ما يرعبني ليس وجود اللجان، ولا الاجتماعات، ولا حتى الضغوط الخارجية. ما يرعبني هو أن يصبح كل استحقاق لبناني مرتبطًا بقرار خارجي، وأن يعتاد اللبنانيون على انتظار ما ستقرره العواصم الكبرى، أكثر مما ينتظرون ما ستقرره دولتهم.
عندما تصل الشعوب إلى هذه المرحلة، لا تكون قد خسرت جزءًا من سيادتها فحسب، بل تكون قد بدأت تخسر ثقتها بنفسها.
ثم هناك سؤال لا أستطيع تجاهله. إذا كانت كل هذه التحركات تُقدَّم على أنها من أجل الأمن، فماذا عن الإنسان؟ ماذا عن آلاف العائلات التي تريد أن تعرف إن كانت ستعود إلى بيوتها فعلًا؟ ماذا عن الشباب الذين يؤجلون أحلامهم لأنهم لا يعرفون أي لبنان سيستيقظون عليه بعد أشهر؟ وماذا عن الأمهات اللواتي لم يعدن يخفن من خبر استشهاد أبنائهن فقط، بل أصبحن يخشين أن يكبر أحفادهن في وطن لا يستطيع أن يقرر مصيره بنفسه؟
ربما يكون الجيش اللبناني هو المؤسسة الأكثر حاجة اليوم إلى الدعم والثقة، لأنه يمثل فكرة الدولة التي نتمسك بها جميعًا. لكن نجاح أي خطة أمنية لن يكون كافيًا إذا لم يواكبه مشروع سياسي وطني يعيد للبنانيين إيمانهم بأن مستقبلهم يُصنع هنا، لا في الخارج. فالأمن الحقيقي لا يبدأ عند الحدود فقط. بل يبدأ عندما يشعر المواطن أن وطنه يملكه، وأن صوته يؤثر، وأن مستقبله ليس بندًا على طاولة مفاوضات.
قد أكون مخطئة في مخاوفي، وأتمنى فعلًا أن أكون كذلك لكن السنوات الماضية علّمتنا أن نتعامل مع كل تطور بحذر، لأن لبنان دفع ثمن التفاؤل الساذج مرات كثيرة، لهذا لم يعد السؤال بالنسبة إليّ: ماذا سيحدث في الأيام المقبلة؟ بل أصبح السؤال الأصعب : هل سنكون، هذه المرة، شركاء في صناعة مستقبلنا... أم مجرد متلقين لقرارات يصنعها الآخرون؟
هذا هو السؤال الذي يقلقني حقًا.
خلود وتار قاسم






