حين تصافحت السياسة... وبقيت الأمهات وحدهن
ما الذي رأيناه بالأمس؟
لم يكن مجرد مشهد بروتوكولي لوفودٍ جاءت تؤدي واجب التعزية. كان مشهداً يستحق أن نتوقف أمامه طويلاً، لا لنسأل من حضر ومن غاب، بل لنسأل أنفسنا: كيف نفهم السياسة؟ وكيف سمحنا لأنفسنا أن نفهمها بهذه الطريقة؟
على مدى أشهر، عاشت المنطقة على وقع حرب قاسية. سقط آلاف الضحايا، وغاب شباب كانوا يحلمون بمستقبل بسيط، فتحولوا إلى صور على الجدران وإلى أسماء تتردد في مجالس العزاء. امتلأت الشاشات بالتهديدات، وارتفعت نبرة الخطاب إلى حد جعل كثيرين يعتقدون أن المنطقة وصلت إلى نقطة اللاعودة، وأن خطوط النار التي رُسمت بالدم أصبحت حدوداً نهائية بين الدول والشعوب معاً.
لكن، فجأة، وقف ممثلو دولٍ قيل لنا إنها على طرفي نقيض في المكان نفسه. تبادلوا التعازي، وتبادلوا الاحترام الدبلوماسي، وعادت السياسة لتتكلم بلغتها المعتادة.
هنا لا تكمن المفارقة.
المفارقة الحقيقية هي أننا نحن، الشعوب، ما زلنا نفاجأ بذلك.
الحقيقة أن الدول لم تُبنَ يوماً على العواطف. هي تتحرك وفق مصالحها، تعيد حساباتها، تبدل أولوياتها، وتبقي قنوات التواصل مفتوحة حتى في أشد لحظات الصراع. هذه هي السياسة، شئنا أم أبينا.
لكن المشكلة ليست هنا.
المشكلة أن الشعوب تُدفع في كثير من الأحيان إلى أن تعيش الصراع وكأنه قدر أبدي، وأن ترسم في داخلها حدوداً أشد قسوة من الحدود السياسية نفسها. تنقسم العائلات، ويتخاصم الأصدقاء، ويتحول الاختلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية، بينما تبقى الدول، مهما اشتد خلافها، تعرف متى تعود إلى طاولة المصالح.
ولهذا أخشى على المجتمعات أكثر مما أخشى على السياسة.
أخشى أن تتحول الحروب إلى جدران داخل وعينا، وأن نسمح لها بأن تسرق منا قدرتنا على رؤية الإنسان قبل الموقف، وأن يصبح كل خلاف سبباً لقطع العلاقات وتمزيق النسيج الاجتماعي.
لقد دخلنا زمناً لم تعد تُدار فيه الحروب بالصواريخ وحدها، بل بإدارة الوعي أيضاً. فالهاتف الذي نحمله في أيدينا أصبح ساحة معركة، والخوارزميات تعرف كيف تغذي غضبنا، وكيف تدفع كل واحد منا إلى خندق، ثم تقنعه أن الخندق المقابل لا يضم بشراً، بل أعداءً يجب كرههم.
وهكذا، يتحول المواطن إلى جندي في حرب لم يشارك في قرار إعلانها، ولا يملك قرار إنهائها، لكنه يدفع ثمنها كاملاً.
ووسط كل هذا الضجيج، تبقى صورة واحدة لا تغادر ذهني...
الأمهات.
كلما رأيت مشهداً سياسياً كهذا، أسأل نفسي: ماذا عن تلك الأم التي انتظرت ابنها فلم يعد؟ ماذا عن التي لا تزال تحتفظ بثيابه كما تركها؟ ماذا عن التي ستبقى تسمع صوته في البيت سنوات طويلة بعد رحيله؟
السياسة تستطيع أن تتصافح.
أما الأم، فلا تستطيع أن تصافح غياب ابنها.
الدول تستطيع أن تعيد ترتيب علاقاتها.
أما قلب الأم، فلا يعرف إعادة الترتيب.
ولهذا، لا يحق لأحد أن يتعامل مع الشعوب وكأنها مجرد أرقام تُحرَّك على رقعة شطرنج. البشر ليسوا أوراق تفاوض، ولا وقوداً لمعادلات النفوذ، ولا خسائر جانبية تُطوى ملفاتها عندما تتغير الأولويات.
إذا كانت السياسة محكومة بالمصلحة، فلتكن.
أما نحن، فلا يجوز أن نجعل مجتمعاتنا أسيرة تلك المصالح. لا يجوز أن نورّث أبناءنا الكراهية، ولا أن نحمل عداوات الدول إلى بيوتنا، ولا أن نسمح للسياسة بأن تنجح في تمزيق ما عجزت الحروب عن تمزيقه.
لعل أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب ليس احتلال الأرض، بل احتلال العقول، وإقناع الناس بأن الكراهية قدر، وأن الانقسام هو الطريق الوحيد.
أما الحقيقة التي يجب أن نتذكرها دائماً فهي أن الدول ستبقى تتفاوض، وتختلف، ثم تلتقي عندما تلتقي مصالحها.
أما المجتمعات... فإذا خسرت ثقتها ببعضها، فإن إعادة بنائها قد تحتاج إلى أجيال كاملة.
لهذا، ربما لم يعد السؤال اليوم: من انتصر؟ ومن خسر؟
السؤال الحقيقي هو:
هل تعلمنا أن نحمي أوطاننا من الحروب... أم سنحتاج أيضاً أن نحمي مجتمعاتنا من آثار السياسة عليها؟
خلود وتار قاسم






