في وقتٍ تتسارع فيه التحولات الإقليمية وتتراجع فيه أولويات القضية الفلسطينية على الأجندات الدولية، يواصل الاحتلال الإسرائيلي إجراءاته داخل المسجد الأقصى، مستفيدًا من غياب الردع وتفكك المواقف.
وتواصل إسرائيل منذ 29 يومًا إغلاق المسجد الأقصى، في واحدة من أطول فترات الإغلاق التي يشهدها المسجد، وسط إجراءات مشددة تحول دون وصول المصلين إلى باحاته.
ويرى الباحث في شؤون القدس فخري أبو دياب أن ما يجري داخل الأقصى هو جزء من مخطط متكامل يستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمسجد، وليس مجرد إجراءات ظرفية.
ويؤكد في تصريح للمركز الفلسطيني للإعلام أن الاحتلال يعمل على ترسيخ التقسيم الزماني والمكاني بشكل تدريجي، مستفيدًا من ضعف المواقف العربية والإسلامية، وغياب ضغط دولي حقيقي.
ويشير إلى أن جماعات "الهيكل” باتت تتحرك بثقة متزايدة داخل باحات الأقصى، معتبرة أن كل اقتحام هو خطوة إضافية نحو فرض واقع ديني جديد.
من جانبه، يربط الخبير في شؤون الاستيطان خليل التفكجي ما يجري في الأقصى بالمشروع الإسرائيلي الأوسع في القدس، القائم على "التراكم البطيء” للسيطرة.
ويوضح أن الاحتلال لا يتحرك بخطوات صادمة دفعة واحدة، بل يعتمد سياسة التدرج، سواء عبر توسيع الاستيطان أو فرض القيود على الفلسطينيين، بما يؤدي في النهاية إلى تقليص وجودهم وتعزيز الهيمنة الإسرائيلية على المدينة ومقدساتها.
وإلى ما قبل الإغلاق الحالي، كانت سلطات الاحتلال تعتمد سياسة متكررة تقوم على إغلاق الأقصى أو تقييد الوصول إليه، ثم إعادة فتحه بشروط مشددة، بذريعة "الاعتبارات الأمنية”.
هذا النمط، وفق مراقبين، لم يعد إجراءً مؤقتًا، بل أداة لإعادة ضبط العلاقة بين الفلسطينيين والمسجد، وتحويل الحق في العبادة إلى امتياز خاضع للقرار الأمني.
"الهيكل” والبقرة الحمراء… اعتبارات دينية مؤجلة
ورغم تصاعد خطاب الجماعات المتطرفة الداعية لإقامة "الهيكل”، يشير التفكجي إلى أن هذه الخطوة لا تزال مرتبطة باعتبارات دينية داخل المؤسسة الحاخامية، في ظل وجود خلافات حول التوقيت والشروط، خاصة ما يتعلق بعلامات "البقرة الحمراء”.
لكن ذلك، بحسب تقديرات الباحثين، لا ينفي أن الإجراءات الحالية تمثل تمهيدًا طويل الأمد لتهيئة الظروف لمثل هذه السيناريوهات.
في ظل سياسات الإبعاد والاعتقال والتضييق المستمر، يؤكد الباحثان أن الاعتماد على المقدسيين وحدهم لحماية الأقصى لم يعد واقعيًا. فغياب الدعم السياسي والمادي والمعنوي أسهم في إنهاك حالة الرباط، وخلق شعور متزايد بالإحباط.
ويرى مراقبون أن الإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال في قطاع غزة، وتصاعد سياسة الإفلات من العقاب، شجّع إسرائيل على المضي في سياساتها دون خشية من ردود فعل رادعة.
الأزهر يطالب بتحرك دولي عاجل
من جهته أدان الأزهر الشريف، استمرار السلطات الإسرائيلية في إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين المسلمين، معتبرًا ذلك انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي واستفزازًا لمشاعر المسلمين حول العالم.
ونشر الأزهر بيانًا عبر صفحاته الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي، أكد فيه أن استمرار الاحتلال في إغلاق المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، خلال شهر رمضان وعيد الفطر، يشكل اعتداءً مرفوضًا وغير أخلاقي، لما ينطوي عليه من مصادرة لحقوق الفلسطينيين في أداء شعائر دينهم، وانتهاك لمبادئ حقوق الإنسان.
وشدد الأزهر على ضرورة تدخل المجتمع الدولي لوقف هذه الأفعال العدائية الممنهجة، التي تهدف إلى تحويل المنطقة إلى ساحة مستدامة للصراعات والحروب، مؤكدًا أن المسجد الأقصى سيظل حرًا إسلاميًا خالصًا، لا حق للاحتلال فيه، رغم محاولاته فرض تقسيم زمني ومكاني على الحرم، وخططه لتهويد معالم مدينة القدس، العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية.
يذكر أن القوات الإسرائيلية أغلقت المسجد الأقصى في نهاية شباط الماضي، وأجبرت المصلين على مغادرته، كما منعت أداء صلاتي العشاء والتراويح، وصلاة عيد الفطر، بحجة الوضع الأمني، وسط انتشار مكثف لقواتها في محيط المسجد وأبواب البلدة القديمة، وفق ما أفادت به محافظة القدس.
وأكد الأزهر في بيان سابق أن هذه الإجراءات تشكل جريمة تستفز مشاعر المسلمين، وتعد خرقًا للقانون الدولي الذي يجرم الاعتداء على دور العبادة، وتعكس نية الاحتلال في طمس الهوية الإسلامية للمسجد الأقصى ومدينة القدس الشريف، وإفشال فرحة المسلمين بمناسباتهم الدينية.