بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 أيار 2026 12:00ص قراءة في تطوّر ظاهرة الشيخ أحمد الأسير من الدعوة إلى الصدام

حجم الخط
بعد مرور ثلاثة عشر عاماً على معركة عبرا وفي ظلّ التحوّلات الكبرى التي شهدها لبنان والمنطقة من تعثّر الدولة اللبنانية وتفاقم أزماتها إلى الحرب السورية وتداعياتها، وصولاً إلى التبدّلات العسكرية والسياسية الأخيرة. عاد اسم الشيخ أحمد الأسير إلى واجهة النقاش العام مع تجدّد الدعوات المطالبة بإعادة النظر في ملفه وملف الموقوفين المرتبطين بأحداث تلك المرحلة. لم يعد الحديث عن ظاهرة الشيخ أحمد الأسير مجرّد استعادة لحدث أمني وقع في مدينة صيدا عام 2013 بل تحوّل إلى محاولة لفهم مسار سياسي واجتماعي وديني معقّد، ارتبط بتبدّل موازين القوى داخل لبنان وبأزمة الدولة وبالصراع على هوية البلد ودوره وحدود سلطته.
بدأ الشيخ أحمد الأسير نشاطه الدعوي أواخر ثمانينيات القرن الماضي وتحديداً عام 1988 ضمن إطار ديني اجتماعي بعيد عن العمل الحزبي والتنظيمي التقليدي. اعتمد أسلوب التواصل المباشر مع الناس من خلال زيارة المنازل والدعوة الفردية مركّزاً على التربية الدينية والإيمانية والسلوك الاجتماعي. رفض منذ بداياته الأساليب القسرية التي كانت تعتمدها جماعات إسلامية في فرض المظاهر الدينية بالقوة كإقفال المطاعم في رمضان أو ممارسة الترهيب ضد المخالفين. وكان يعتبر أن التغيير الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان المنفتح بمسؤوليّة قيميّة وتقوية الإيمان بينما العنف أو الإكراه يحول دون ذلك.
أسّس عام 1998 مسجد بلال بن رباح في عبرا والذي تحوّل لاحقاً إلى مركز حضوره الديني والشعبي. كان يبتعد في تلك المرحلة عن السياسة اللبنانية معتبراً أنّها ساحة يغلب عليها الاستثمار بالدماء والانقسامات والمصالح الضيقة. كما عُرِف بنشاطه الاجتماعي والإنساني وخصوصاً اهتمامه بإدخال الفرح إلى الأطفال في الأعياد والمناسبات من خلال الزينة والأنشطة الترفيهية مما ساهم في تكوين صورة رجل الدين القريب من الناس.
مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 برزت لدى الشيخ الأسير مقاربة مختلفة عن المزاج العام السائد آنذاك. ففي وقت كانت غالبية الخطابات السياسية والدينية تحتفي بـ «التحرير» حذّر الأسير مبكراً من تحوّل سلاح «المقاومة» إلى أداة نفوذ داخلي تتجاوز منطق الدولة. اعتبر أنّ استخدام شعار فلسطين والتحرير قد يتحوّل إلى مدخل للسيطرة على القرار اللبناني وإعادة تشكيل التوازنات الداخلية بقوة السلاح مستنداً في ذلك إلى متابعته وقراءاته الفكرية والسياسية للخمينيّة وكيفيّة التوسّع النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة إضافة إلى معرفته الدقيقة بالتغيّرات في البيئة الشيعية اللبنانية بحكم نشأته الاجتماعية والعائلية. ويقول مقرّبون منه إنّ كثيرين لم يفهموا آنذاك طبيعة هذه الرؤية واعتبروها خروجاً عن المزاج العام السائد في لبنان بما في ذلك داخل الأوساط السنيّة التقليدية.
شكّل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 نقطة تحوّل أساسية في خطاب الشيخ الأسير. فقد رأى في الجريمة حدثاً مفصلياً سيغيّر التوازنات اللبنانية بالكامل وبدأ تدريجياً بالانتقال من الدعوة الدينية البحتة إلى الانخراط التدريجي في الشأن السياسي.
ومع حرب تموز 2006 ازداد اقتناعه بأن لبنان يتجه نحو واقع تُضعف فيه الدولة لمصلحة قوى الأمر الواقع المسلحة. وبدأت خطاباته تحمل رسائل سياسية أوضح تتعلق بمفهوم السيادة واحتكار السلاح وخطورة ازدواجية السلطة. ثم جاءت أحداث 7 أيار 2008 لتشكّل بالنسبة إليه ولشريحة واسعة من اللبنانيين دليلاً إضافياً على اختلال التوازن الداخلي بعدما استُخدم السلاح في الداخل اللبناني بصورة مباشرة. منذ تلك اللحظة انتقل الشيخ الأسير إلى مرحلة جديدة من المواجهة السياسية والإعلامية مستفيداً من تنامي حالة الاعتراض الشعبي داخل البيئة السنيّة تحديداً.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، كان الشيخ الأسير من أوائل رجال الدين اللبنانيين الذين أعلنوا تأييدهم العلني للحراك الشعبي السوري. ومع تزايد المؤشرات على تدخّل حزب الله العسكري إلى جانب نظام بشار الأسد تصاعد خطابه بصورة غير مسبوقة. رأى الأسير أنّ تدخّل الحزب في سوريا يكشف حجم سيطرته على القرار اللبناني ودولته العميقة والأجهزة والبنية الأمنية وأن لبنان يُدفع تدريجياً إلى قلب الصراع الإقليمي.
وفي مقابل شعار «النأي بالنفس» الذي رفعته الحكومة اللبنانية كان يعتبر أنّ السلطة تتجاهل مشاركة الحزب العسكرية في سوريا فيما تُشدّد إجراءاتها الأمنية ضد المتضامنين مع الشعب السوري. هنا بدأت «ظاهرة الشيخ أحمد الأسير» تتوسّع شعبياً من خلال الاعتصامات والتحركات السياسية في بيروت والبقاع وصيدا... رافعاً شعارات تتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة ورفض توريط لبنان في الحرب السورية.
بلغت ظاهرة الأسير ذروتها مع «اعتصام الكرامة» صيف عام 2012 عند المدخل الشرقي لمدينة صيدا، حيث استمر الاعتصام 33 يوماً. رفع شعارات حصرية السلاح بيد الدولة والدعوة إلى إقرار استراتيجية دفاعية يشرف عليها رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء والجيش اللبناني بعيداً عن أي سلاح حزبي أو مذهبي. داعياً إلى احترام الطائف والشراكة الوطنية والتنوّع اللبناني ومحذّراً من أنّ استمرار وجود قوة عسكرية حزبية مرتبطة بالخارج سيدفع الآخرين نحو التسلح والانقسام. ورغم الخطاب الحاد الذي اتسمت به بعض مواقفه فإنّه كان يعلن مراراً رفضه الدخول في حرب أهلية، معتبراً أنّ بيئته هي «الحلقة الأضعف» وأن ما يقوم به يندرج ضمن إطار «الدفاع السياسي عن النفس» وقد تقاطعت مواقفه آنذاك مع جزء من خطاب القوى السيادية وقوى 14 آذار خصوصاً في ملف السلاح غير الشرعي.
رغم عدم قناعته، تجاوب مع التدخّلات السياسيّة ووعودها بتحقيق مطالبه، ليفك الاعتصام ولتبدأ مرحلة تصاعد حملات التحريض ضده وتصويره كرمز «للتطرف السنّي» وللتحريض المذهبي بينما كان هو يعتبر أن مشكلته الأساسية مع السلاح الخارج عن الدولة لا مع الطائفة الشيعية. وتفاقم الوضع مع حادثة مواجهة موجة السيطرة الإعلاميّة للحزب على صيدا حيث انكفأت دون مبرر القوى الأمنيّة عن دورها بحماية تحركه السلمي في «تعمير عين الحلوة» أواخر العام 2012 لتقتل «سرايا المقاومة» الشابان لبنان العزي وعلي سمهون في حادثة اعتبرها أنصار الأسير بداية مرحلة الإستهداف المباشر لهم. رفض الشيخ آنذاك الرد العسكري وطالب الدولة والقضاء بالتحقيق، لكنّ الأمور أخذت تتجه تدريجياً نحو الصدام الكبير.
تصاعدت مظاهر التوتر الأمني في محيط مسجد بلال بن رباح بعد اتهاماته للحزب بمحاصرة مسجده بشقق مسلحين ونقاط مراقبة أمنية واستفزازات ميدانية متواصلة. هذا ما دفع بإتجاه «تحضيرات الدفاع عن النفس»، وكان الشيخ الأسير يكرر تحذيراته بأنّ هناك من يسعى إلى دفعه نحو مواجهة مع الجيش اللبناني مؤكداً أنّ خصومه يريدون «ضربه بالمؤسسة العسكرية».
في حزيران 2013 انفجرت المواجهة العسكرية في عبرا في واحدة من أخطر المحطات الأمنية التي شهدها لبنان بعد الحرب الأهلية. لا تزال الروايات حول شرارة المعركة وتفاصيلها موضع خلاف حتى اليوم بين من يعتبر أنّها جاءت نتيجة كمين للحزب وتصعيده المتعمّد وبين من يرى أنّ الأسير تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة من قبل السلطة عبر تشكيل مجموعات مسلحة والدخول في مواجهة مع الدولة.
لكن المؤكد أنّ حزب الله شارك بقوة في هذه المعركة التي خلّفت عشرات القتلى والجرحى وأدّت إلى تدمير واسع في محيط مسجد بلال بن رباح، كما فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الانقسام الحاد داخل مدينة صيدا وداخل البيئة السنيّة اللبنانية عموماً. وقد أثارت مشاركة عناصر الحزب العسكريّة بقوة جدلاً واسعاً إضافة إلى الاتهامات المتعلقة بظروف إدارة المعركة سياسياً وأمنياً وإعلامياً.
اختفى الشيخ أحمد الأسير بعد انتهاء المعركة لأكثر من عامين قبل أن يُعتقل في مطار بيروت عام 2015 أثناء محاولته مغادرة لبنان متنكّراً. ومنذ ذلك الحين تحوّل ملفه إلى مادة انقسام سياسي وقانوني وإنساني مستمرّة. فبين من يعتبره مسؤولاً عن المواجهة مع الجيش، ومن يرى أنّه كان نتاجاً لمسار طويل من الانهيار السياسي والأمني وغياب العدالة وتضخم السلاح غير الشرعي على حساب قوة الدولة.
بعيداً عن التقييم النهائي لشخصية الشيخ أحمد الأسير وخياراته فإنّ ظاهرته تكشف عمق الأزمة اللبنانية المزمنة، أزمة الدولة العاجزة عن احتكار القوة، وأزمة الطوائف القلقة على وجودها وأزمة النظام الذي يسمح بتراكم السلاح والتوترات والانقسامات حتى الانفجار والتحويل القصري لمن يمتلك روح «سلميّة الدعوة» الى العصيان والمواجهة. لقد كان بالإمكان تفادي كثير من الدماء والخسائر في لبنان وسوريا لو جرى التعامل مبكراً مع أسباب الاحتقان بمنطق الدولة والعدالة والحوار بدل ترك البلاد رهينة منطق الغلبة والاستقواء والاصطفاف الإقليمي.
اليوم وبعد كل ما شهدته المنطقة من تحوّلات من الحرب السورية إلى الانهيار اللبناني وصولاً إلى تبدّل موازين القوى الإقليمية يعود كثيرون لطرح الأسئلة نفسها التي أثارها الشيخ الأسير قبل سنوات، كيف يمكن بناء دولة فعلية بوجود قوى مسلحة خارج إطارها؟ وكيف يمكن حماية التعددية اللبنانية من الانزلاق نحو منطق الغلبة؟ وهل كان يمكن تفادي الانفجار لو جرى احتواء الأزمة سياسياً بدل تركها تتدحرج نحو المواجهة؟
قد تختلف الآراء جذرياً حول الشيخ أحمد الأسير لكن الثابت أن ظاهرة ظهوره وصعوده ثم انفجاره لم تكن حدثاً منفصلاً عن السياق اللبناني العام بل كانت انعكاساً لأزمة بنيوية عميقة يعيشها لبنان منذ سنوات طويلة. ويبقى الأمل بكشف ملابسات هذه المرحلة، وبأن يتمكن اللبنانيون من إعادة بناء دولة عادلة وقادرة يشعر فيها الجميع أنهم شركاء متساوون تحت سقف القانون لا جماعات قلقة تبحث كل منها عن حماية خارج الدولة ومؤسساتها.