بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 أيار 2026 12:00ص الوجه يحتلُّ مركز المجال التشكيلي في أعمال الفنانة مارلين ديماس

حجم الخط
تخلق الفنانة Marlene Dumas من الناحية البصرية، الخلفية ما يُعرف بـ«العزل الكتلي»، حيث تتحدد الشخصية عبر تباينها مع محيط بسيط. فالمتلقّي لا يتأمّل صورةً لوجه بقدر ما يواجه نظاماً بصرياً يتكوّن أمامنا كما لو أنه في طور التشكل المستمر. فلوحات مارلين ديماس لا تُقدِّم تمثيلاً نهائياً، بل تبني حضوراً متردداً بين الاكتمال والذوبان. إنّها لوحة تتصرّف ككائن حيّ، تُوازن بين قوى متعارضة، وتُخفي تحت بساطتها الظاهرية بناءً داخلياً دقيقاً يجعلها متماسكة كهيكل معماري مشدود من الداخل. فالبناء البصري في أعمالها يقوم على منطق الارتكاز لا على منطق السرد. ليس هناك حدث يُروى، بل هناك كتلة تُثبّت أخرى، وضوء يوازن ثقلاً، ومساحة فارغة تمنح شكلاً حقه في الظهور. الوجه يحتلّ مركز المجال التشكيلي، لكنه لا يهيمن بالقوة، بل بالحساسية. إنّه مركز هشّ، كأن وجوده مشروط بوجود ما يحيط به. اليد في الأسفل ليست تفصيلاً تشريحياً، بل دعامة إنشائية. إنّها بمثابة حجر أساس يحمل الكتلة العليا. لو أُزيلت اليد، لانزلق الوجه في الفراغ، وفَقدَ توازنه البصري. هكذا تتحوّل الجسدانية إلى عنصر معماري، ويتحوّل الجسد إلى نظام توازن.
تُوزع مارلين ديماس السطح على ثلاث مناطق لونية كبرى. إذ تُنشئ مساحة مضيئة شبه شفافة في الوجه، طوق لوني دافئ يحيط بالرأس، وكتلة داكنة تستقر في الأسفل. هذه المناطق لا تتجاور اعتباطاً، إنّها تعمل وفق علاقات شدّ وجذب. العين تنتقل بين الفاتح والغامق كما لو كانت تتحرك في مجال مغناطيسي. المنطقة المضيئة تستدعي الانتباه، لكن الكتلة الداكنة تعيد تثبيته. التوتر بين الخفة والثقل يصنع حركة صامتة داخل اللوحة، حركة لا تعتمد على الإيماءة بل على توزيع القيم. إذ لا ترسم مارلين بخطوط فاصلة، بل تُستخرج من تدرجات اللون. الأنف لا يُحدّد بخط حاد، بل يُقترح عبر اختلاف طفيف في القيمة اللونية. الفم ليس محدّداً بصرامة، بل يتشكّل كظلّ خفيف داخل الكتلة البيضاء. هذا الأسلوب في البناء يُبقي الشكل في حالة سيولة، فلا يتحوّل إلى قناع جامد. اللون هنا ليس زينة سطحية، بل مادة تشكيل أساسية. إنّه يعمل كعامل نحت، يزيل ويضيف في الوقت ذاته. الوجه لا يُضاف إليه اللون، بل يتكوّن به. فهل الفراغ المحيط ليس خلفية خاملة، بل فضاء يسمح للكتلة أن تتنفس؟ ولو كانت الخلفية مشغولة بعناصر إضافية، لفقدت الشخصية عزلة حضورها؟ وهل المساحة المحايدة تُشبه غرفة صامتة تحتضن الجسد من دون أن تنافسه؟ أم هذا الفراغ يمنح التكوين نقاءً بصرياً، ويُظهر أن البناء لا يعتمد على الزخرفة بل على العلاقة بين الكتل؟
يشق اللوحة محور عمودي غير معلن، فاللوحة من أعلى الرأس إلى أسفل اليد. هذا المحور يمنح العمل استقراره. لكن الاستقرار ليس مثالياً. إذ ثمة انحراف طفيف في وضعية الرأس يكسر الصرامة الهندسية. ذلك الكسر الصغير يُدخل الحياة إلى النظام. فلو كان التماثل كاملاً لتحوّل العمل إلى صورة ساكنة بلا توتر. الانحراف البسيط هو ما يمنح الكتلة طاقتها الداخلية. كما أن الإيقاع في هذا البناء الفني لا يصدر عن تكرار عناصر، بل عن تكرار منحنيات. استدارة الرأس، انحناءة الشعر، تقوّس اليد... جميعها تتناغم في موجة بصرية واحدة. لا حضور لزوايا حادّة تقطع الحركة. حتى الانتقال بين الألوان يتم بانسياب نسبي. هذا الإيقاع المنحني يُضفي على اللوحة طابعاً عضوياً، كأنها تنمو من داخلها. إننا لا نشاهد تركيباً ميكانيكياً، بل تكويناً ينبض بهدوء. فهل الضوء في هذا العمل ليس نتيجة مصدر محدد، بل أداة تنظيم. لا يمكن تحديد اتجاه واضح له؟ فهل لأنه لا يتبع منطق الطبيعة، بل منطق التشكيل؟ وهل الوجه يبدو مضيئاً لا لأنه يتلقى ضوءاً، بل لأنه هو نفسه مصدر إشعاع بصري؟ أم أن هذا الاستخدام يجعل الضوء قيمة بنائية، لا وصفية. إنه يحدّد الأولوية داخل التكوين، ويوجه العين إلى المركز من دون حاجة إلى خطوط إرشادية؟
بنية لونية لا تعتمد على تعددية واسعة، بل على اقتصاد محسوب. هذا الاقتصاد يمنح كل درجة لونية أهمية خاصة. لا وجود لألوان مشتتة تُضعف التركيز. كل لون يؤدي وظيفة محددة داخل النظام. الداكن يثبّت، الفاتح يكشف، والدافئ يشحن المجال. التفاعل بينها يُنشئ وحدة متماسكة. فهل من زاوية الإدراك البصري، يمكن القول إن العمل يستثمر قدرة العين على استكمال الناقص؟ وهل يمكن اعتبار العمل تجربة في تحويل البورتريه إلى بنية تأمّلية؟ أم أنه لم يعد الهدف نقل الشبه، بل بناء نظام علاقات داخل مساحة محدودة؟