د. تاليا عراوي*
لقد استغرقني وأثّر فيّ بعمق المقال الذي تناول معاناة الشيخ في لبنان، بقلم فضيلة الشيخ بهاء الدين سلام، إن هذا المقال بمثابة اعتراف صادق وتشخيص لفساد ممنهج، ولكن من جانبنا نحن، عامة الناس الواقفين على الطرف الآخر من المئذنة، نؤكد أن كل نقطة أثيرت (من الخنق الفكري إلى الإقصاء المهني) تتردد أصداؤها في يأسنا الصامت.
إن التشابك السياسي والمساومات الأخلاقية التي تسحق الصوت المستقل للعالم تتركنا في نهاية المطاف بلا مرشد، فنعيش حالة من الفوضى أو الفراغ الداخلي، التي هي أهون ما يقال فيها. إن أعمق رغباتنا ليست في المناورات السياسية أو التزكية الطائفية، بل في الهداية التي تشدّ العقول وتطمئن القلوب، فكثيراً ما تعترضنا أسئلة ميتافيزيقية تتعلق بالحياة اليومية (أسئلة حول الغاية الوجودية، والثبات الأخلاقي، وغيرها)، إننا نتوق إلى مرجع علمي يتدفق علمه من نبع الفكر المستقل والعالمي، يمتلك الوضوح الأخلاقي الذي اشتهر به صبحي الصالح، الذي كانت شخصيته تمثل استقامة العلم والعمل، ونتمنى أن نجد فيه بصمات المعلم الباطني المستنير على غرار ابن عربي، وعمق الدليل الروحي في تهذيب النفس كما عند أبي حامد الغزالي.
ومع ذلك، وكما يشرح مقال الشيخ ضمنياً، كلما طرقنا باباً باحثين عن الحكمة العميقة والمتكاملة، شعرنا بالإحباط التام، فمحاولات الالتحاق بدروس العقيدة والسلوك تنتهي بالخيبة، إذ نُقابل بمعرفة سطحية ومُسيَّسة تخدم أجندة الجماعة، مما يحوّل الدين في أذهاننا إلى مشروع مادي دنيوي بدلاً من مشروع روحي، تضيع الفصول في مناقشة «توافه الأمور» وإجابات جاهزة، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية حول القدر والروح والمصير خارج نطاق النقاش.
والأكثر إيلاماً هو رؤية العلماء يفشلون في الدفاع عن الحق الأخلاقي لأسباب سياسية بحتة، وهي ثنائية كارثية تقتل الاستقلال الفكري وتؤدي إلى التخلي عن أصول صناعة الحياة الكريمة.
إن هذه المعاناة المشتركة تكشف عن أزمة عميقة في العلاقة المقدّسة بين السالك والمرشد، نحن ندرك أن المسار إلى الكمال الروحي والفكري يستلزم وجود المرشد، الذي يجب أن يجسّد الحقيقة والمعرفة الأصيلة، وأن يكون مرآة تعكس النور الإلهي بدلاً من السوق السياسي.
المأساة الجوهرية التي يسلّط عليها خطاب الشيخ الضوء هي أن المنظومة السياسية تعمل بفعالية على ضمان إقصاء المرشد الحقيقي الذي يتسم بالصدق والتواضع، ويثبّت نظره على مرضاة الله. هذا المرشد لا يُمكنه الاستمرار في البقاء في الساحة العامة.
تعطّش بلا ارتواء
ونتيجة لذلك، يبقى تعطّش العامة للمعرفة الروحية الصادقة بلا ارتواء، وتستمر دائرة الرداءة والفساد في التفاقم، بدفع من القوى ذاتها التي تُسكت صوت الشيخ المستقل وتُهمّشه. إن الأمل في الخلاص، روحياً واجتماعياً على حدّ سواء، مرهونٌ بالقدرة على إقناع هذه الأصوات المتعلمة باختيار طريق الله والصدق في نهاية المطاف، ورفض اللجوء إلى الملجأ السياسي أو العباءة الحزبية.
يتصف الشيخ الحقيقي الذي نبحث عنه بامتلاكه لثلاثة أركان: الصدق المطلق في الولاء لكرامة الإنسان والحق دون تبعية، التواضع العميق إذ يرى العلم أمانة لا وسيلة للربح، واستواء البصيرة على الحق الإلهي تحرّراً من جاذبية السلطة والمال. تاريخياً، كانت هذه العلاقة هي محرك الحضارة الإسلامية، كما تجسّدت وفي مجتمع الصحابة الأوائل؛ إذ لم تكن علاقتهم تبعية سياسية عمياء، بل صعوداً أخلاقياً وفكرياً منضبطاً.
نحن الواقفون عند الجهة الأخرى من المئذنة، لا نطلب الماء النقي اللهداية فحسب، بل نطمح أيضاً إلى معرفة أسرار الكون المطوية، ومرامي الحروف المقطعة في أوائل السور. نحن أناسٌ متعطّشون نستصرخ العلماء ليساعدونا على استعادة ما نسيته الأرواح قبل أن تُلبسها الأجساد، تذكيراً بالعهد الأول، {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}.
إننا نحتاج أن نسمع ونتدارس معجزات القرآن العلمية، وإعجاز الأرقام فيه، والاكتشافات الحديثة التي تثبت أن كتابنا ونبينا كانا يعلمان ما لا يزال البشر يكتشفونه. ليس لأننا نشك - فالإيمان ثابت في القلب - ولكن لأننا نحتاج إلى تقوية هذا اليقين وتعزيزه في خضم هذا الكون الصامت الخاوي، تماماً كما قال نبي الله إبراهيم: {بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}.
ونحن ندرك تماماً أن في القرآن آيات محكمات وأخر متشابهات، وأن هناك الراسخين في العلم، لكن هذا التمايز لا يعني أن من لا حظ له في العلم يجب أن يُغذَّى بالخرافات والقصص الضحلة. ففي الوقت الذي نتطلع فيه إلى العِلم والمعرفة العميقة، تأتينا خطب الجمعة من مآذن المساجد القريبة لتُلقي في آذاننا عبارات قاسية، تُنسب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) على أنها أحاديث صحيحة، ككثرة أحاديث اللعن التي تُردد، على الرغم من أننا نعلم أن نبينا لم يكن لعّاناً، أليس هذا التبسيط والتحميل الباطل يشوّه صورة المبعوث رحمة للعالمين؟ إن أرواحنا تتطلع إلى ما يرفعها، لا ما يغرقها في سفاسف الأمور. نبحث عن النبع الذي يدَّعي المشايخ أنهم يحرسونه.
يجلسون عالياً على كراسيهم الوثيرة، محاطين بأرفف الكتب الشاهقة، وتُلف كلماتهم في المخمل الثقيل للمصطلحات المعقّدة والحواشي التاريخية التي لا تخدم سوى عزل الحقيقة. وعندما نقترب، بعيون متسعة تشعّ بصدق الجوع الروحي، نُقابل بصمت مطبق أو، ما هو أسوأ، تعمّد في الإبهام.
يتحدثون عن الفقه والأصول، عن الإجماع والقياس، ومع ذلك يبدو أنهم عاجزون عن تجسيد روح الشريعة في لغة تُغذي روح الإنسان العادي المكافح. يبدو الأمر وكأنهم يمتلكون خريطة الأرض الموعودة ولكنهم يرفضون مشاركة مفتاح رموزها.
نستشعر البراغماتية المغروسة فيهم، والحساب البارد والمقلق الذي يدفعهم إلى تقييد المعرفة. إنهم يخشون فقدان مكانتهم، أو رواتبهم المريحة، أو نفوذهم داخل البلاط أو المجتمع، فعلمهم، الذي ينبغي أن يكون نهراً متدفقاً، يُسدُّ ويُوجَّه، ويُستخدم كعملة للسيطرة بدلاً من أن يكون هبة من النور.
تغذية البذرة المظلمة
المأساة الجوهرية التي يسلّط عليها خطاب الشيخ الضوء هي أن المنظومة السياسية تعمل بفعالية على ضمان إقصاء المرشد الحقيقي الذي يتسم بالصدق والتواضع، ويثبّت نظره على مرضاة الله، هذا المرشد لا يُمكنه الاستمرار في البقاء في الساحة العامة، ونتيجة لذلك، يبقى تعطّش العامة للمعرفة الروحية الصادقة بلا ارتواء، وتستمر دائرة الرداءة والفساد في التفاقم، بدفع من القوى ذاتها التي تُسكت صوت الشيخ المستقل وتُهمّشه، إن الأمل في الخلاص، روحياً واجتماعياً على حدّ سواء، مرهونٌ بالقدرة على إقناع هذه الأصوات المتعلمة باختيار طريق الله والصدق في نهاية المطاف، ورفض اللجوء إلى الملجأ السياسي أو عباءة المحسوبية والتبعية.
وهنا تنبت البذرة المظلمة للشك، إذا تم المتاجرة بأقدس أمانة - وهي مشاركة حكمة الله - مقابل الراحة والسلطة الدنيوية، وإذا تمسّكوا بالنور ليُبقونا في ظلام اعتمادنا المربح، فما الذي يتبقى لنا سوى طرح السؤال المروّع: هل عقدوا، في سعيهم لـ الهيمنة الدنيوية على العقيدة، صفقة فاوستية؟ هل استبدلوا الروح الحقيقية واللامحدودة لرسالتهم بالسيادة التافهة لمقعدهم الأرضي؟
نعم، لقد صرنا نعيش في زمن، بات فيه من يحافظ على صلاته وصيامه يُوصَفُ بالتخلّف والرجعية، ويُنظر إلى أهل الاستقامة والصلاح على أنهم سُذَّج أو قليلو فطنة، في زمن يزدهر فيه أهل الشر وينطفئ فيه نور أهل الخير، ويزيد الأمر صعوبة أننا نعيش دون أن نرى المعجزات الحسّية والخوارق البيّنة التي كانت تثبّت قلوب المؤمنين في زمن الأنبياء. إننا عيش في زمان، يُروى فيه وصفٌ يُنسب لنبينا: «يأتي على الناس زمان، القابض على دينه كالقابض على الجمر».
ولذلك، نحن في أمسّ الحاجة للتمسك بالبشارات التي تشدّ أزرنا، كنور الحديث المروي: «بكى رسول الله صلى االله عليه وسلم ذات يوم فسُئل عن سبب بكائه، فقال: «اشتقت لأحبابي». فسأله الصحابة: «أولسنا أحبابك يا رسول الله؟». فأجابهم: «أنتم أصحابي، أما أحبابي فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني».
إن هذه الكلمات تمثل أقصى درجات السند؛ فنحن قومٌ آمنّا به ولم نره، وعلى هذا الإيمان بالغيب يقوم ثباتنا. فكيف يمكن لنا أن نجد اليقين والسند في ظل هذا الجمر المحرق، ونحن نرى مرشدين باعوا نبعهم الثمين واختاروا الجلوس في قاعات القضاء والسياسة، بدلاً من إرشاد أحبابه الذين اشتاق إليهم؟
* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان