يشهد لبنان مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب الجلسة الأمنية المرتقبة في البنتاغون في 29 أيار، تليها محادثات الثاني والثالث من حزيران في وزارة الخارجية الأميركية بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، بحضور الوسيط الأميركي. تأتي هذه اللقاءات في ظل تصاعد سياسي وأمني إسرائيلي على الجبهة اللبنانية، ترافقه تهديدات بتوجيه ضربات قاسية تهدف إلى إنهاء القدرات العسكرية لـحزب الله، مع توسيع نطاق العمليات لتشمل بيروت، وسط تأكيد إسرائيلي على التنسيق الكامل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
من الواضح أن إسرائيل تعتمد سياسة التفاوض تحت ضغط الميدان، مستفيدة من انعدام الثقة بقدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرتها على سلاح حزب الله ونشاطه العسكري. وتسعى تل أبيب إلى استثمار هذا الواقع لتوسيع عملياتها وتحقيق أهداف عجزت عنها طوال أكثر من عقدين، من بينها إعادة احتلال بعض قرى الجنوب، إضافة إلى مواصلة سياسة التدمير الممنهج وتجريف المنازل بهدف تهجير الأهالي لأطول فترة ممكنة.
في المقابل، تبدو إسرائيل حريصة على تحقيق إنجاز سياسي أو عسكري على الجبهة اللبنانية، في وقت تمسك فيه الولايات المتحدة بزمام المبادرة في المفاوضات مع إيران. وتُظهر واشنطن قدراً من الليونة تجاه بعض المطالب الإيرانية لدفع طهران إلى طاولة التفاوض بشأن ملفها النووي، في ظل غياب رؤية واضحة لمعالجة ملفات أخرى شائكة، كالصواريخ الباليستية ودور الأذرع الإيرانية في المنطقة.
انطلاقاً من هذه المعطيات، يبدو أن مسار التفاوض في واشنطن لن يكون سهلاً، بل سيحمل بنوداً معقدة وضغوطاً متزايدة على الدولة اللبنانية. ومن المتوقع أن تُطرح مطالب بخطوات عملية ينفذها الجيش اللبناني، بدعم خارجي، لتعزيز السيطرة جنوب الليطاني، وصولاً إلى فرض سلطة الدولة الكاملة على السلاح غير الشرعي وبسط الشرعية اللبنانية على كامل الأراضي، تمهيداً للتوصل إلى اتفاق دائم لوقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل.
ويُعدّ بند حصرية السلاح النقطة المحورية في أي تسوية مرتقبة، إذ يرتبط مباشرة بوقف الحرب وفتح الباب أمام المساعدات الدولية وإعادة إعمار القرى المدمرة وتأمين عودة الأهالي إليها بشكل آمن. كما حملت العقوبات الأخيرة التي استهدفت نواباً ومسؤولين أمنيين رسائل واضحة بأن هامش المناورة والمماطلة بات شبه معدوم، وأن المرحلة المقبلة ستتطلب التزاماً واضحاً بجدول زمني صارم لتنفيذ الخطة الأمنية، تحت طائلة تشديد العقوبات المالية وتوسيع رقعة الضربات العسكرية.
أما داخلياً، فيواصل حزب الله رفع سقف مواقفه التصعيدية تجاه الدولة. وقد هدد الشيخ نعيم قاسم، في آخر خطاباته، إلى إمكانية إسقاط الحكومة في الشارع، في موقف اعتبره كثيرون تهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي. ويعكس هذا الخطاب ربط الحزب مصير سلاحه بالمفاوضات الإقليمية وبالدور الإيراني، بما يجعل لبنان أكثر ارتباطاً بصراع إقليمي ودولي يفوق قدرته على الاحتمال.
وفي هذا السياق، تستحضر الأذهان مقولة الكاتب و المفكر السياسي و الرئيس السابق للجامعة الاميركية في بيروت قسطنطين زريق: «حين تتحول الأوطان إلى ساحات نفوذ، يصبح شعبها أول ضحايا التسويات». وهي مقولة تختصر خطورة الارتهان الكامل للمحاور الإقليمية والدولية، لأن الدول الصغيرة حين تفقد قرارها الوطني تتحول ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين، وتدفع شعوبها أثمان التسويات والحروب بالنيابة.
وهكذا، يقف لبنان أمام أسبوع بالغ الدقة، تحاول فيه الدولة الحفاظ على زمام المبادرة وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً تفادياً لسيناريوهات عسكرية أكثر خطورة، فيما يواصل حزب الله ربط مصير البلاد بمسارات إقليمية معقدة، في وقت لم يعد فيه لبنان يحتمل المزيد من الأزمات والانقسامات.