في توقيت بالغ الحساسية، وقبيل أيام قليلة من انعقاد الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي المرتقب بعد غد، ثم انطلاق الجولة الرابعة من المفاوضات في واشنطن يومي ٢ و٣ حزيران، تعمّد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو رفع منسوب التهديد العسكري ضد لبنان، عبر تسريب معلومات عن استعدادات جيش الإحتلال لعمليات واسعة قد تمتد من صور إلى النبطية، مع التلويح بإمكانية استهداف بيروت والضاحية الجنوبية تحت عنوان ضرب البنى التحتية العسكرية لحزب الله، ولا سيما مخازن المسيّرات ومنصات الإطلاق.
هذا التصعيد الكلامي والعسكري لا يمكن فصله عن المناخ السياسي الذي يحيط بالمفاوضات الجارية برعاية أميركية. فتل أبيب تبدو وكأنها تسعى إلى إعادة رسم قواعد التفاوض بالنار، ومحاولة فرض وقائع ميدانية جديدة قبل الدخول إلى أي تفاهمات أو ترتيبات أمنية طويلة الأمد. وهي بذلك توجه رسائل متعددة الاتجاهات: إلى لبنان الرسمي، وإلى حزب الله، كما إلى واشنطن وطهران في آن معاً.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن أي توسيع للعمليات العسكرية في الجنوب، خصوصاً إذا تجاوزت الخطوط التقليدية ووصلت إلى العاصمة أو الضاحية الجنوبية، سيضع المفاوضات المقبلة أمام اختبار بالغ الصعوبة. فمن جهة أولى، سيجد الوفد اللبناني نفسه تحت ضغط داخلي وسياسي هائل يقيّد هامش المناورة، ويجعل أي حديث عن ترتيبات أمنية أو تفاهمات ميدانية عرضة لاتهامات بالتفاوض تحت النار. ومن جهة ثانية، فإن استمرار التصعيد الإسرائيلي سيضعف قدرة الولايات المتحدة على لعب دور الوسيط المقبول، بعدما أصبحت واشنطن متهمة في الأوساط اللبنانية بالعجز عن كبح حكومة نتانياهو، أو إلزامها بقواعد وقف إطلاق النار.
الأخطر من ذلك أن التصعيد الإسرائيلي لا يهدد فقط المسار اللبناني ـ الإسرائيلي، بل ينعكس أيضاً على الجهود الأميركية الجارية للتوصل إلى «مذكرة تفاهم» مع إيران بشأن إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز وملفات إقليمية أخرى. فالإدارة الأميركية تحاول منذ وقف العمليات العسكرية فتح قنوات تفاهم مع طهران لإنهاء أزمة مضيق هرمز وتجنب الانزلاق مرة أخرى إلى مواجهة شاملة، فيما يأتي السلوك الإسرائيلي ليقوض هذه المساعي عبر دفع الأمور نحو مزيد من الاشتعال.
ومن الواضح أن نتانياهو لا ينظر بعين الارتياح إلى أي تقارب أميركي ـ إيراني، حتى ولو كان محدوداً أو مرحلياً، لأنه يعتبر أن أي تفاهم من هذا النوع سيؤدي حكماً إلى تخفيف الضغوط عن إيران ومحورها الإقليمي، ويضعف استراتيجية الحصار والمواجهة التي يتبناها منذ سنوات. لذلك تبدو التهديدات الأخيرة أقرب إلى محاولة تعطيل استباقية للمسارين التفاوضيين معاً: اللبناني والإيراني.
وفي حال نفّذ نتنياهو تهديداته في الساعات المقبلة، يكون قد تعمّد أن ينعي المفاوضات العسكرية اللبنانية الإسرائيلية قبل أن تبدأ في البنتاغون، وقبل أن يصل الوفد الديبلوماسي اللبناني إلى وزارة الخارجية الأميركية.
فكيف سيرد ترامب على سهام نتنياهو التي تستهدف مبادرته في لبنان؟