بيروت - لبنان

اخر الأخبار

31 تشرين الأول 2025 12:00ص المفتي الشيخ بكر الرفاعي مفتي بعلبك الهرمل في حوار مع (اللواء الإسلامي): نحتاج إلى حوار الإيمان والصمود في زمن القلق.. وعلينا جميعاً القيام بمسؤولياتنا

حجم الخط
أكد مفتي بعلبك والهرمل الشيخ بكر الرفاعي أن الواجب على المجتمع بمختلف مسؤوليه وفئاته أن يعملوا بكل جهد لنشر روح التفاؤل والعمل الإيجابي والبنّاء بدلا من نشر الخوف والتشاؤم بين أفراده، خاصة أن لبنان يمرُّ بمرحلة دقيقة تحتاج إلى التكاتف والتعاون وليس إلى بثّ روح اليأس في صفوف مواطنيه.
وأضاف محذّرا في حوار مع «اللواء الإسلامي» أن وسائل التواصل الاجتماعي عند الكثير من الناس والجهات قد تحوّلت إلى «سوق للشائعات» أو «غرفة صدى للذعر»، وأن مشكلتها الأكبر أنها تُقوّي صوت المُتشائمين والمُهوّلين لأن المحتوى السلبي والمثير يتفاعل بشكل أكبر من المحتوى الهادئ والحكيم.
وهذا نص الحوار...

تحليل ظاهرة الخوف الجماعي (الخوف والإشاعات)
{ سماحة الشيخ نلتقي اليوم في ظل ظروف دقيقة يمرُّ بها وطننا الحبيب لبنان، حيث القلق يكاد يكون عاما، وهذا يحتّم علينا أن نبدأ بسؤال هام، لماذا أصبح مجتمعنا يعيش في حالة مستمرة من الخوف والذعر ونشر للأحاديث التي تتحدث عن اندلاع قريب للحرب؟
- لنبدأ بالحالة النفسية العامة، يعيش مجتمعنا حالة من الخوف والرعب بسبب الأحاديث والأقاويل والإشاعات التي تنذر بنشوب حرب من جانب أو معاناة اقتصادية من جانب آخر.
{ ما رأيك في هذه الحالة، وما هو الموقف الإيماني الصحيح؟
- لا شك في أن الخوف من العدوان فطري، ولكن ما نشهده هو تحوّل من حالة «حذر» مُنتج إلى حالة «رعب» مُشلّ ومُدمِّر. هذا الرعب يتغذّى على الإشاعة، الذي وصفه القرآن الكريم بأنه آفة تهدّد المجتمع.
إن الموقف الإيماني الصحيح يبدأ بالاعتصام وبالتوكل: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعََلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51]. الرعب المتفاقم فيه سوء أدب مع قضاء الله تعالى.
الإشاعات سلاح نفسي أخطر من الرصاص، مصداقاً لقوله عن المنافقين الذين يبثون القلق: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ منهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، هذه الآية تُعلّمنا: لا تكن مردّداً للبلاء، بل كنْ باحثاً عن اليقين والتحقّق.

دور السياسيين والإعلاميين

{ لضبط هذا المشهد المربك، ما هو الدور المتوجب على السياسيين والإعلاميين أن يضطلعوا به، خاص في مجال تقديم المعلومات بوجه خاص؟
- الدور هنا هو «قيادة الحقيقة» و«إدارة الأمل»:
أولا السياسيون.. ومسؤوليتهم هي تحقيق المصداقية وتوحيد الصف الوطني. وعليهم أن يتجنّبوا الخطابات الاستفزازية أو المتناقضة التي تُنبت الفتنة وتضاعف الخوف. يجب أن يكونوا قدوة في الصبر والحكمة، لأن هيبة الدولة تُستمدّ من ثبات قادتها.
أما الإعلاميون فهم اليوم بمثابة «صيادلة القلوب»، عليهم واجب إيماني ومهني:
• التثبّت: تطبيق قاعدة «التبيّن» القرآنية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6].
• تغليب الإيجابي: التركيز على قصص الصمود، التكافل، وعناصر القوة في المجتمع، لا مجرد الإسهاب في تفاصيل الكارثة، والمسؤول الإعلامي عن بناء المجتمع لا نشر العدوى النفسية.

شبكات التواصل ونشر التشاؤم

{ وماذا عن شبكات التواصل الاجتماعي التي تساهم بشكل كبير في نشر التشاؤم والتهويل بين أفراد المجتمع، ما رأيك في ذلك؟ وهل هناك وصية للتعامل مع هذا الفضاء الافتراضي؟
- وسائل التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى «سوق للشائعات» و«غرفة صدى للذعر». مشكلتها أنها تُقوّي صوت المُتشائمين والمُهوّلين لأن المحتوى السلبي والمثير يتفاعل بشكل أكبر من المحتوى الهادئ والحكيم.
وصيتي الإيمانية هي أن نعتبر شاشاتنا «مجالس»، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سمع» (صحيح مسلم). هذا الحديث نبراس لنا، لا تُرسِل كل ما يصلك. اجعل إصبعك على زر المشاركة أثقل من سحب الزناد. مواجهة التشاؤم تبدأ بـ «الصوم الداخلي» عن اليأس والإحباط، ولا تجعل من حسابك مصدراً لـ «عدوى القلق».

للعلماء والدعاة.. انشروا الطمأنينة والتفاؤل

{ نأتي إلى ركيزة المجتمع، أي دور للعلماء والدعاة في بث روح الطمأنينة في نفوس الناس، وكيف ننشر روح التفاؤل على المستوى الشعبي؟
- دورهم هو دور الأنبياء عليهم السلام في توريث اليقين، أن يكونوا «منارات للسكينة».
1. بث الطمأنينة: عليهم تذكير الناس بأن الضيق لا يدوم، وأن العاقبة للمتقين. التركيز على معاني:
• التوكل: قال ابن القيم الجوزية: «التوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة». علينا أن نتوكل على الله ونأخذ بالأسباب.
• الرجاء وحُسن الظن: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء» (صحيح ابن حبان). فليكن ظننا بالله خيراً.
2. نشر روح التفاؤل (أو الإيجابية البنَّاءة): لا يعني التفاؤل إنكار الواقع، بل مرادف له لروح المقاومة. 
• الدعوة إلى التكافل: الدعوة إلى «تجارة الجار للجار» و«إغاثة الملهوف»، التفاؤل الحقيقي يولد من العمل وليس من مجرد أماني.
• حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أبشروا في غزوة الخندق»، رغم ظرفه الصعب ولم يؤثر عليه الصعاب بل كان مقداماً. وقصة النبي في الهجرة لما تبعه سراقة وبشّره النبي صلى الله عليه وسلم بسواري كسرى وبالفتح.
• الفُرن: تذكير الناس بأن الأزمة قد تكون «فُرن صهر» يُخرج المعدن الأصيل للمجتمع، وأن النصر الحقيقي في صمود الروح قبل صمود الجسد.

كلمة أخيرة

{ في الختام، ما هي كلمتك الأخيرة، والتي تختم بها هذا الحوار المضيء والملهم؟
- كلمتي الأخيرة تتلخص في ثلاث رسائل جامعة:
1. إلى القيادة: كفّوا عن إرباك الساحة، وكونوا مصدر وحدة لا انقسام، فثباتكم يُترجم طمأنينة في الشارع.
2. إلى الإعلام والمواطن: توقفوا عن تداول الذعر، فكُل كلمة تنقلونها هي إما رصاصة في جسد الوطن أو بذرة أمل تُزرع فيه، وتذكّروا القول: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] والتهلكة قد تكون نفسية قبل أن تكون مادية.
3. إلى كل لبناني: كنْ حارساً شخصياً لليقين، وحارساً لتماسك المجتمع، فالتغيير يبدأ منك؛ ازرعْ اليوم شجرة، وادرسْ اليوم درساً، وتوكّل على الله حق توكّله، فهذه المرحلة شديدة الدقّة، لكنها ليست مرحلة يأس أو خيانة، لبنان صمد لأنه يملك إرادة البقاء، فلنُغذِّ هذه الإرادة بالإيمان التجريبي.