الوطن لغةً هو دار الإقامة، ويرتبطُ بعنصرَين متلازمَين هما:
• المقيم أي الإنسان.
• المقام أي المكان.
ويرتكز معنى الوطنِ على مجموعةِ محدداتٍ من بينها:
• المجموعة السكانية، بِما هي الشعب الواحد.
• البقعة الجغرافية، بِما هي الأرض الواحدة.
• العلاقات الإنسانية بين أفراد المجموعة السكانية المقيمين على البقعة الجغرافية الواحدة.
• اللغة أو اللغات المشتركة.
• التاريخ والتراث المشترك.
• القيم والعادات والتقاليد المتقاربة.
• المصالح والأهداف المشتركة.
ينجذبُ الفرد بطبيعته إلى التعلق بالمكانِ، ليس كمساحةٍ جغرافيةٍ فحسب، بل باعتبارها تختزنُ جملةً من المعاني الإنسانيةَ، فيصبحُ منتمياً إليها، وموالياً لها، بما هي مكان الولادة وموطن الآباء والأجداد، وللناسِ من حولِهِ.
من هنا وخلافاً لما قد يستنبطُهُ البعضُ من مضمون الآية الكريمة:
{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (42)} - التوبة، أو الآية التالية:
{لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)} - المجادلة.
بأن الإسلامَ يتنكر لكل الروابط العائلية والمجتمعية والاقتصادية والوطنية التي لا تنسجمُ مع الرابطة الإسلامية، نقولُ: إن هذا المعنى هو من قبيل ليِّ عنقِ النص وتحميلِهِ ما لا يحتمل، فهذه العلاقات، على تنوّعها واختلافها، هي حلقات متتالية، الكبرى منها تَسَعُ الصغرى.
صحيح أنه لم ترد كلمة «وطن» في القرآن الكريم سواءٌ بالصيغة الحرفية أو بجذرها، وإنما وردت عبارة «مواطن» بمعنى «مواقع» أو «أماكن»، بحسب الآية:
{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (52)} - التوبة.
إلّا أن الدينَ الإسلاميَّ قد أقرَّ هذه المفاهيمَ المفسِّرةَ لمعنى الوطن، وجعلها في صُلْبِ القيم الإنسانية التي شَجَّعَ على المحافظةِ عليها، بل أكد أن العاطفةَ تجاهَ الوطنِ، هي فطرة طبيعية في الإنسانِ نفسِهِ.
ويمكنُ الاستدلالُ على هذه الفطرة الإنسانية من خلالِ ما وردَ في القرآن الكريم، حول الأمكنة بما هي دار الإقامة والعيش والعلاقات الإنسانية، والتي أَطْلَقَ عليها مفرداتٍ مثل الديار والأرض والقرية والمدينة. وتعني هذه المفرداتُ، في معظمِها، الوطنَ كحيزٍ جغرافيٍّ محددٍ بنطاقٍ معينٍ، يقيمُ الإنسانُ فيه روابطَهُ العائليةَ والاجتماعيةَ، ويتمسكُ بالعيشِ بين ربوعه.
ولذلك عَدَّ القرآنُ الكريم التهديدَ بالنفي عن الوطن من الابتلاءات، التي أُصيبَ بها الرسلُ وأتباعُهُم، خلال مواجهتهم لأعدائهم، والتي بلغت حدَّ تخييرِهم بين أمرين، هما: الإخراج من الوطن، أو الخروج من الرسالة والعودة إلى ملة الكفر. يقول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (31)} - إبراهيم.
ومن الشواهد القرآنية على ذلك قوله جلَّ وعلا: {قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (761)} – الشعراء، وقوله عزَّ من قائل: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا (88)} - الأعراف.
في المقابل نرى في سياقٍ موازٍ محاولةَ التنفير من الدعوة الإلهية، بذريعةِ تسببها بالإخراجِ من الوطنِ. وقد أشارَ القرآن الكريم إلى محاولة اللعب على الوتر العاطفي تجاه الوطن، للتحريض على رفضِ الاستجابَةِ لدعوة النبي موسى، عليه السلام، فهو {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ بسحره فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} الشعراء، الآية 35. واستخدمَ فرعونُ الأسلوبَ نفسَهُ حين آمنَ السحرةُ، كما ورد في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا (321)} - الأعراف.
بل لقد تساوى الخروجُ من الوطن – عند بعض المفسرين – وخروج الروح من الجسد، وفقَ التفسيرات التي أعطيت لقول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ (66)} – النساء.
ولو تتبعنا الخطابَ القرآنيَّ للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعِهِ {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ (04)} - الحج، لرأينا آياتٍ كثيرةً تحدثت عن أهمية الصبر على مفارقة الوطن وترك الأهل.
ولدى الحثّ على الهجرة من الوطن للحفاظ على الدين، أو للجهاد في سبيلِ الله، كما ورد في القرآن الكريم: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً (8)} - الحشر، فإن ذلك الخطابَ كان يَعِدُ بالثواب الكبير، لما لترك الوطن من صعوبةٍ، حيث وصف القرآنُ الكريمُ هؤلاء المهاجرين بالصادقين.
وفي السيرة النبوية الكثير من الشواهد، منها ما أخرجه أبو يعلى عن ابن عباس - في أسباب النزول للسيوطي، ص 262 - قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقاءَ الغارِ نظر إلى مكة فقال: «أنتِ أحب بلاد الله إليّ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني منك، لم أخرجْ منك»، فأنزل الله: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ (31)} - محمد.
تلك كانت بعض الإشارات التي تعطي صورةً عن المفهوم الإسلامي لمعنى الوطن، باعتباره مسقط الرأس، وموطن الآباء والأجداد، يرتبطُ به الفرد وجدانياً وعاطفياً، فيحنُّ إليه إذا غابَ عنه، ويتفاعل معه ومع أقرانه لدى العيش فيه.
* دكتوراه في الدراسات الإسلامية، اختصاص الفكر الإسلامي المعاصر، من كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية