بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 كانون الأول 2025 12:53ص انهيار العقد الاجتماعي: كيف حوّل الانقسام المادي الوجود المشترك إلى إفلاس أخلاقي؟

حجم الخط
د. تاليا عراوي*

إن العالم اليوم يعجُّ بالانقسامات والشقوق، التي تعود جذورها الأساسية إلى الطمع المتفشّي، وحب المال، وشهوة السُلطة الجارفة؛ وهذا كله ليس سوى انعكاس لـغياب حادّ في إدراك جوهر الحياة الحقيقي ومغزاها. وفي صلب هذه الأزمات، يتجسّد تفكك وجودي عميق في الهوة المتسارعة بين ميسوري الحال والأقل حظاً على مستوى العالم. هذا التباعد هو فشل أخلاقي مُدبّر ومُتعمَّد، يشير إلى تآكل جوهري في عقد النظام العالمي الحديث.
إنني أزن كل كلمة أخطّها بدقّة المفكّر؛ فالانقسام الذي نعالجه هنا لا يكمن في البُعد الروحي أو العقائدي بين الغني والفقير، بل يرتكز كلياً على الفروقات المادية والمكاسب الدنيوية, هو ما يكشف مدى تخلّينا عن مبدأ المصير المشترك. هذا التصدّع المادي الحاد يفرض علينا التوقف وإجراء إعادة تقييم فلسفية جذرية.
يجب أن نرفع مساعدة الآخرين من مستوى الصدقة الاختيارية التي تُمنح تكرّماً، إلى مستوى التكافل والواجب الأخلاقي القاطع وغير القابل للتفاوض. وكما أرسى الفيلسوف جون رولز أحد أهم أسس العدالة، فإن حظوظنا (سواء من الموهبة الموروثة، أو الجغرافيا، أو الجنسية) هي أمور اعتباطية أخلاقياً، ولا تستند إلى أي استحقاق ذاتي، وهذا الإدراك العقلي يُلزمنا بتنظيم مجتمعاتنا كمنظومة واحدة حيث التكافل هو الأساس لنتشارك مصيراً واحداً.
خطورة التركيز الهائل للثروة
المحرّك الأساسي للانقسام هو التركيز الهائل للثروة (حيث استحوذ أغنى 1% على حصة ساحقة من الثروة الجديدة)، ويرتبط هذا التراكم بعاملين: العامل الأول هو الفساد، الذي يعمل كـسبب ونتيجة لعدم المساواة؛ فالثروة تمنح النخبة القدرة على التأثير على السياسات والتهرّب من الضرائب، مما يحاصر الأقل حظاً في حلقة فقر مفرغة.
أما العامل الثاني فهو الفردانية المفرطة، التي تقوّض أساس إعادة التوزيع، بافتراضها أن النجاح يعود للجهد الفردي وحده، وهو ما تصدّى له جون رولز بمبدأ الاختلاف الذي يوجب هيكلة اللامساواة لضمان أكبر فائدة للأقل حظاً. وتُضاف إلى ذلك عقبة الأنانية العالمية قصيرة النظر، المتمثلة في العقلية التي تقول: إذا لم تؤثر هذه الأزمة عليّ شخصياً، فأنا أقل اهتماماً بها. هذا السلوك المتمثل في التكديس، المتجذّر في غريزة الحفاظ على الذات، يضمن حتماً قدرًا أكبر من عدم الاستقرار غداً (عبر النزوح والصدمات)، ويعكس قسوة قد تصبح وراثية، مما يثبت استحالة وجود «ساحة خلفية» معزولة في عالم مترابط.
تقدم الممارسة التاريخية في زمن النبي # والخلافة الراشدة ترياقاً قوياً لهذه الأنانية الحديثة من خلال مأسسة التكافل وواجب المصير المشترك. عالجت الدولة الإسلامية المبكرة التفاوت عبر آليات اقتصادية تأسيسية كالزكاة، التي لم تُعتبر ضريبة أو تبرعاً، بل هي حق الفقير في مال الغني. يترسّخ مبدأ التكافل في الإسلام عبر التركيز العميق على حق الجار، الذي توسّع ليشمل المجتمع العالمي للإنسانية المشتركة.
وقد ورد عن النبي # أن جبريل عليه السلام أوصاه بالجار تكراراً حتى ظن أنه سيورثه. يفرض هذا التوجيه مسؤولية عميقة عن رفاهية من حولنا، ويُلزم المسلم بتلبية احتياجات الآخرين قبل تأمين راحته الشخصية. علاوة على ذلك، يحذّر القرآن الكريم بشدّة من سلوك الاكتناز: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
إن التركيز القرآني على العدل والتوازن يرسّخ عقداً أخلاقياً: فالازدهار لا يكون مشروعاً إلّا إذا أفاد الفئات المهمّشة، ويُذكر مبدأ تداول الثروة لمنفعة الجميع صراحة: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ}.
تتجلّى هذه الواجبات الأخلاقية بوضوح صارخ عند فحص المناطق التي دمّرتها الكوارث الإنسانية التي صنعها الإنسان، مثل سوريا والسودان وغزة واليمن.
ففي مناطق الصراع هذه، تنتج التحديات الحادّة والمتعددة الأوجه بشكل مباشر عن العنف المنهجي وفشل الدولة. يشهد السودان حالياً أسوأ أزمات النزوح والمجاعة، بينما يعاني سكان غزة وسوريا من تدمير البنية التحتية ونقص الإمدادات الحيوية. الأمر الأهم هو أن استجابة المجتمع العالمي غالباً ما يعيقها الفشل السياسي ذاته الذي يغذّي الأزمات. فالعوائق أمام وصول المساعدات تحول دون وصول المساعدة المنقذة للحياة، ويؤدي ضعف تدفق التبرعات الشخصية والدعم المالي المؤسسي إلى تفاقم المشكلة، حيث تعاني خطط الاستجابة الإنسانية من نقص حادّ في الدعم المالي. يكشف هذا النقص عن فشل جماعي في الوفاء بالواجب الراولزي والإسلامي على حد سواء، وهو ممانعة في تجميع الموارد وتخفيف المصير المدمر المخصص لمن وُلدوا في خضم الصراع والفقر.
الإفلاس الأخلاقي تستدعي تدخّلاً عاجلاً
في نهاية المطاف، يشكّل هذا الرفض العالمي لمشاركة مصيرنا حالة من الإفلاس الأخلاقي تستدعي تدخّلاً عاجلاً. إن معالجة هذه الأزمة لا تتم بتغييرات في السياسات فحسب، بل بإعادة تثقيف أساسية للقيم الاجتماعية. تتفاقم الأزمة لأن شبابنا يُدفعون بشكل غير مباشر للاستخفاف بالمساقات المدنية والأفكار الإنسانية، حيث يغرقون في تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي السطحية التي تغسل الأدمغة بعيداً عن قيمنا الثقافية الأصيلة. لذا، يجب تعزيز مبادئ المصير المشترك والتكافل، والمساءلة تجاه المهمشين، وحقوق الجار في مدارسنا ومساجدنا وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. عندها فقط، بجعل الضرورة الأخلاقية للمصير الإنساني المشترك مبدأً محورياً لهويتنا، يمكننا تفكيك جدران الفساد والأنانية وقصر النظر، وبناء عالم يقوم على العدالة الحقيقية.
كيف لنا أن نستلذ بطعامنا ونحن نعلم أن إخوتنا ضحايا عنف هيكلي يتجسّد في المجاعة؟ كيف يمكننا أن ننعم بسرير دافئ وآمن بينما يُحرم منه آخرون بفعل العدوان البشري الممنهج؟ إننا نقول الحمد للّه ، ولكن في جوهر هذا الحمد يكمن واجب العمل والتكافل لمساعدة المحرومين.
وفي الختام هذه، يبرز تأمّل أخير وموجع يوجّه ضربة قاضية لمنطق الانعزال: ما القيمة للنجاح الفردي، إذا كنا نشارك كوكباً ونرفض أن نشارك مصيرنا كجنس بشري واحد؟

* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان