الحمد الله الذي كتب على عباده الصيام، وجعله أياما معدودات ، وجعل له شهر رمضان من كل عام، من صامه وقامه ايمانا واحتسابا غفرت ذنوبه العظام، وصلى اللّه على سيدنا محمد عبده ورسوله المعصوم من كل الشهوات، والمبرَّأ من الهوى، والمنزّه عن النزغات والخطرات، أرسله ربه رحمة للعالمين وحجة على المعاندين، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحابته أجمعين ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين. وبعد:
أطل علينا شهر رمضان شهر التقوى والبركات ، شهر التوبة والمغفرة ومحو السيئات، ورفع الدرجات، رمضان شهر تغلق فيه أبواب النيران وتفتح أبواب لجنان وتصفد الشياطين، فعلينا أن نحافظ على حرمته ونتزود منه لاخرتنا، فإن خير الزاد التقوى.
قال تعالى: [يا أيّها الّذين آمنوا كُتب عليكم الصّيام كما كُتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون (١٨٣) } (البقرة.
الصيام أعظم ما يزود العبد من التقوى التي هي ثمرة العبادة وزبدتها وهي الغاية التي شرع اللّه تعالى الصيام من أجلها:
قال ابن القيم رحمه اللّه تعالى:«التقوى حقيقتها العمل بطاعة اللّه إيماناً واحتساباً، أمراً ونهياً»، فيفعل ما أمر اللّه به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده، ويترك ما نهى اللّه عنه إيماناً بالنهي وخوفاً من وعيده، كما قال طلق بن حبيب «: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى» قالوا :وما التقوى؟ قال «:أن تعمل بطاعة اللّه على نور من اللّه ترجو ثواب اللّه وأن تترك معصية اللّه على نور من اللّه تخاف عقاب الله.» وهذا أحسن ما قيل في حد التقوى.
فإن كل عمل لا بد له من مبدأ وغاية، فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون صدره عن الإيمان فيكون الباعث عليه هو الإيمان المحض، لا العادة ولا الهوى ولا طلب المحمدة والجاه وغير ذلك بل لا بد أن يكون مبدؤه محض الإيمان وغايته ثواب اللّه وابتغاء مرضاته وهو الاحتساب.
التقوى هي أن يفعل الإنسان ما أمر اللّه وأن ينتهي عما نهى، وإن كانت نفسه تنازعه وتلح عليه بالتفلت من هذه الأوامر وارتكاب المعاصي والمحرمات، وبالصيام فإن المسلم يمتنع عن الطعام والشراب وغيرها من المفطرات إمتثالا لأمر اللّه تعالى وإن كانت النفس تطلبها وتشتهيها وتلح عليه بفعلها فإنه يتجاهلها مقدما امر اللّه تعالى عليها قوله تعالى ((لعلّكم تتقون)) أي لعلكم تتقون ربكم، فتجعلون بينكم وبين المعاصي وقاية بطاعته وعبادته وحده. أو لعلكم تتقون اللّه تعالى في سائر أموركم كما تقيتم في صيامكم فإنكم استشعرتم اطلاع اللّه عليكم ، وعلمه بحالكم فامتنعتم عن الأكل والشرب، فلو أنكم استصحبتم حال التقوى تلك التي منعتكم من الأكل والشرب في سائر أموركم وأيامكم لامتنعتم أيضا عن مقارفة الذنوب فإن الذي تقيتم أن يراكم تأكلون وتشربون ، يراكم أيضا حين تقارفون الذنوب.
فالصوم إذاً مدرسة لتعليم التقوى ،التي توقظ فيك ملكة المراقبة الله تعالى والذي نظر إلى حالك وأنت صائم فما الذي يمنعك من الأكل والشرب ولو في السر؟.
وما الذي يجعلك تتحاشى الوقوع في الزلات والذنوب وأنت صائم؟ وما الذي دفعك لغض بصرك وأنت صائم؟، وما الذي يحثك على الذكر والصلاة وقراءة القرآن بالرغم من أنك لا تفعل هذا قبل رمضان؟.. إنها ملكة المراقبة التي استيقظت فيك بفضل الصيام فجعلتك تراقب نفسك بنفسك دون أن يأمرك أحد وكأنك هنا تحقق قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم: «((أن تعبد الله كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك )) أي أنك بمرأى من ربك لا يخفاه شيء من أمرك ومن علم أن معبوده مشاهد لعبادته تعين عليه تزيين ظاهره بالخشوع وباطنه بالإخلاص والحضور فإنه * (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) (١٩) غافر *
وفيه حث على كمال الإخلاص ولزوم المراقبة.
رمضان شهر الطاعات بانواعها صيام وقيام، جود وقرآن، صلوات واحسان تهجد وتراويح، اذكار وتسابيح، وحسبنا في فضله (أن أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار).
فحريٌّ بنا ان نستقبل شهر رمضان إضافة إلى التقوى التي هي هدف مشترك بين العبادات والطاعات ، بالتوبة النصوح بأن يقلع التائب عن المعصية، وأن يندم على فعلها وأن يعزم على أن لا يعود الى مثلها، فركن التوبة هو الاقلاع عن المعصية في كل وقت وحين، ولا سيما في شهر الرحمة والغفران.
اذن لا بد من الابتعاد عن دواعي المعصية، ونوازع الشر، ومجالس الفتن، واصحاب السوء، وقرناء الهوى، ونجعل شهر رمضان شهر توبة وانابة. توبة تهدم ما قبلها، وانابة تجُبُّ ما سلفها.
رمضان شهر تُفتح فيه أبواب الرحمة للعباد من الطاعات ، وتُغلق أبواب النار فتصرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتعجز الشياطين عن الإغواء والإضلال وعن أذى المؤمنين فيصيرون كالمصفّدين بالأغلال ومن خصوصيّات شهر رمضان تصفيد الشياطين ، فعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - أنّ رسول اللّه — صلّى اللّه عليه وسلّم _ قال: ( إذا جاء رمضان فتّحت أبواب الجنّة وغلّقت أبواب النّار وصفّدت الشّياطين) أخرجه مسلم. وقيل الحكمة في تقييد الشياطين وتصفيدهم كيلا يوسوسوا في الصائمين وأمارة ذلك تنزه أكثر المنهمكين في الطغيان عن المعاصي ورجوعهم بالتوبة إلى اللّه تعالى، وأما ما يوجد من خلاف ذلك في بعضهم فإنها تأثيرات من تسويلات الشياطين أغرقت في عمق تلك النفوس الشريرة وباضت في رؤوسها ، فلما سُلسلت الشياطين في شهر رمضان وخمدت نيران الشهوات بالصيام انعزل سلطان الهوى والشهوة، فلم يبقَ للعاصي عذر.
فمن كان مبتلى بمعصية، فرمضان موسم التوبة والانابة، الشياطين مصفدة، والنفس منكسرة، واللّه تعالى ينادي : [قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعًا إنّه هو الغفور الرّحيم (٥٣)الزمر}
شهر رمضان تكثر فيه أسباب المغفرة،قال عليه الصلاة والسلام: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه ) متفق عليه. أي مؤمنًا بالله ومصدّقًا بأنّه تقرب إليه ومحتسبًا بما فعله عند اللّه أجرًا لم يقصد به غيره ، ( غفر له ما تقدّم من ذنبه ) أي من الصّغائر ، ويرجى غفران الكبائر وفي الحديث الاخر قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّ اللّه تبارك وتعالى فرض صيّام رمضان عليكم وسنَّ لكم قيّامه فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيومٍ ولدته أمّه) رواه النسائي واحمد.
اللهم أكرمنا في شهر رمضان، وجنبنا الغفلة والعصيان، ووفقنا لحسن عبادتك، وأحيي قلوبنا بطاعتك وهدايتك ، وهذّب نفوسنا بالصيام والقيام وتلاوة القرآن، واجعل شهر رمضان شهر عزٍّ ونصرٍ للإسلام والمسلمين في كل مكان، وأعنَّا فيه على الصيام والقيام، واجعلنا ممن يصومه ويقومه إيماناً واحتساباً، واغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين أمنوا، ربنا انك رؤوف رحيم.
والحمد الله أولاً وآخراً.