بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 تشرين الثاني 2025 12:00ص بعد أسئلة عن ضياع الأثر الإيجابي للدعاة وأئمة المساجد في لبنان.. السقوط في مستنقعات الفقر والحاجة أسقط فعالية الأدوار.. والمطلوب علاج فوري..

حجم الخط
فتّشتُ كثيرا في أمّهات الكتب عن واجب المجتمع والمسؤولين تجاه الدعاة والعلماء فوجدتُ أن أولى الواجبات هي تأمين سبل الحياة الكريمة واللائقة لهم معنويا وماديا، فهذه الحياة الكريمة هي التي تتـيح لهم الإبداع والتطوّر والتقدّم ومعالجة الأمور بحكمة وواقعية، كما أنها هي التي تمنع عنهم بيع الضمائر أو (التزلّف) أو إصدار فتاوى تناسب السلاطين والأمراء وتخالف شرع الله...!!
ومن هنا نفهم قول الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه (لو كلّفت شراءَ بصلة لما فهمت مسألة)، بأنه دعوة لكل داعية ألا يضيّع شيئاً من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم المنافع الصحيح والعمل الصالح الصحيح إلّا بقدر الضرورة، وبالتالي على المسؤولين عن أمور الدعوة أن يؤمّنوا له من خلال عمله في مجال الدعوة ما يكفيه وعائلته عن ذلّ السؤال والإهانة..!؟
وهنا يطرح السؤال الأكبر: هل هذا هو واقع الدعاة في لبنان؟!...
الجواب - وبكل أسف - كلا..
فالواقع يصرخ في وجوهنا بأن معظم الدعاة وأئمة المساجد في بلادنا لا يتقاضون راتبا يضمن لهم كرامة العيش، وبالتالي فهم مضطرون للعمل بأمور أخرى (قد لا تتناسب وعملهم الدعوي)، تأمينا لضروريات الحياة الصعبة ولا سيما في لبنان (وما أدراكم ما الحياة في لبنان)، ولذا نجد واجبا علينا هنا أن نطالب المختصين والمسؤولين بضمان كرامة الأئمة حتى نضمن لأنفسنا ولأبنائنا حسن أداء الأدوار والمهام المكلّفين بها.
بل وأقول إن عددا غير قليل منهم أصبح تحت خط الفقر، وفقرهم هذا يكاد يلامس مستوى الانعدام التام، أي ما تحت خط الفقر بدرجات كبيرة..؟!؟ وبالتالي انعكس سوء الواقع على صحتهم.. وعلى أبنائهم.. وعلى بيوتهم.. وعلى مستوى علمهم وثقافتهم.. وأيضا على مدى تفاعلهم مع المجتمع، بل وعلى سمعتهم، حتى أن بعضهم قد يطرد من منزله أو يحرم أبناؤه من التعليم، ولم ينظر إليه أحد؟!
والأسوأ أنه إذا ما تكلم أحد أو رفع الصوت شاكيا الظلم، انهالت عليه تهم الخيانة والعمالة، أو تلك التهمة (اللبنانية الأصيلة) وهي تهمة كشف (نشر الغسيل)... إلى آخر تلك المقولات الجاهزة؟!
إذن، نحن - وأقولها استقراءً للواقع وليس تشاؤماً - أمام مشهد مأساوي كارثي أسود، لا بد من حلّه سريعا وبشكل حاسم، فالعلماء والدعاة وأئمة المساجد (الأوادم) - وأشدِّد على كلمة (الأوادم) – لا بد أن ينالوا حقهم المادي والمعنوي، ولا أقول هذا كنوع من التمييز عن غيرهم، بل مساواة بغيرهم من مختلف الفئات والعاملين في أي مجال من المجالات..؟!

حتمية سقوط الخطاب

والكارثة فيما نقول ليست في معاناة الدعاة وأئمة المساجد الاجتماعية فقط، بل الأخطر هو أن سقوط هؤلاء في براثن الفقر والحاجة والعوز أسقط أيضا أسلوب خطابهم الدعوي حتى صار الخطاب فقيرا في المضمون والأسلوب والأفكار والطرح واللغة والثقافة والمعالجة، وبالتالي فقدوا عوامل التفاعل الصحيح مع الناس، وبالتوازي فَقدَ الناس في نفوسهم قيمة ومكانة الداعية الحق، وبالتالي تزعزعت مكانة المسجد عند الجمهرة الكبرى من المسلمين في لبنان!!
ونحن لا نقول هذا الكلام من باب التفضّل والتكرّم والمنّة على الأئمة وإنما من باب إعطاء كل ذي حق حقّه أولا، ثم من باب الحفاظ على دور ورسالة وفاعلية العمل الدعوي في المجتمع، فإمام المسجد عمله الأساسي الحفاظ على كل ما فيه الخير للمجتمع من خلال نشر دين الله تعالى وسنّة رسوله الكريم صلى االله عليه وسلم، وما يفترض أن يقدّم إليه من حقوق إنما هو عائد بصورة أو بأخرى على شباب المجتمع وعلى فتياته، وعلى كباره وصغاره، وعلى مثقفيه وطلابه، وعلى كل الفئات، وأي تقصير في حقّه هو تقصير في حق من حقوق المجتمع، وهذا الحق الذي نطالب به ليس تبرّعاً يدفعه فلان، وليس صدقة تعطى من علّان، بل هو واجب شرعي وقانوني وإنساني، ولا بد أن يؤدى إلى الأئمة والدعاة بكل تكريم ومحبة وتقدير وإعزاز.
أيها السادة الكرام..
إن غياب الحق المادي، والضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، والمتابعة المدرسية، والدورات التدريبية، والتنمية العلمية و... وغيرها من الحقوق المطلوبة عن حياة الدعاة وأئمة المساجد وأسرهم في لبنان لا يمكن أبداً أن ينتج لنا تغييرا إيجابيا في المجتمع، ولا مستقبلا دعويا واعدا ومشرقا، بل العكس هو الصحيح، إذ إن هذا الغياب المرفوض سيصل بنا إلى جيل من الدعاة التابعين (؟!) والمنقسمين والمذبذبين، لا يتقنون إلّا (ببغاوية الخطاب) و(ثقافة تبرير الغياب)...؟! فهل هذا هو المطلوب..؟!
مرة ثانية.. أيها السادة الكرام..
إن كان من حق العالم والداعية - كما قال السلف - (بيت يأويه ورزق يكفيه وثوب يواريه) فما بالك بعمل ودعوة من حُرم من المال والثوب والبيت، وبالتالي حُرم من الأمان بكل أبعاده ومجالاته..!؟
هذا هو السؤال... أما الجواب فليس عندي.. وكل الدعاء.. أن نرى الإجابة عليه عملا.. لا قولا..؟!

bahaasalam@yahoo.com