يوماً بعد يوم يتأكّد لي بأن أبعد الناس عن العلم هم الذين يعتنقون المذهب العلماني. لأنهم يغلقون عقلهم ويرفضون المنطق والفيزياء والقياس والميزان لمجرد ذكر الرسالات السماوية.
الكل يعلم أن معادلة قياس القيمة يحكمها قانون العرض والطلب. فهل يحق لعقل يدّعي العلم أن يتقبّل إنخفاض قيمة المادة الأشهى والأكثر طلباً لمعظم الناس، والتي هي المادة الوحيدة التي لا يصل الطلب عليها حد الإشباع والكفاية.
هل يجوز لعقل يدّعي العلم أن لا يتقبّل حقيقة أن لكل مادة في الكون قياس وكتلة وحجم وكثافة بما فيها المواد غير المنظورة كالكهرباء والضوء.
هل يجوز لعقل يدّعي العلم أن لا يدرس العناصر الدقيقة التي تتشكّل منها واحدة من أهم المواد في الكون. وأن لا ينظر إلّا الى شكلها والرقم المدوّن عليها وكميتها ويلهث خلف التكاثر الكمّي منها دون الإلتفات الى التسرّب الهائل في العنصر الأهم الذي ينتقل بواسطتها ويشكّل قيمتها الحقيقية.
هل يحق لهذا العقل أن يدّعي العلم أو يدّعي أنه على المذهب العلماني.
هل يحق لهذا العقل أن يرفض المنطق والقياس والميزان والفيزياء والمنهج العلمي لمجرد أنه صادر عن الرسالات السماوية.
قد أفهم إنتقاد العلمانيين للمؤسسات الدينية وأساليب التقوقع والمصالح الشخصية والطوائف والمذاهب والعصبيات الدينية والماورائيات والروايات الغوغائية، وأوافقهم عليها بشدّة. وأفهم رفضهم للتحجّر الذي يمارسه بعض مدّعي الإيمان، لكن ما لا أفهمه هو رفض العلم إذا ورد في الرسالات السماوية التي تستهدف سعادة البشر وأمنهم ونشر المحبة والعدالة ومحاربة الفساد والفقر والاقتتال المنتشر بينهم. وبنفس الوقت السكوت عن الواقع المزري وقبول التخلّف الفكري والفساد السياسي والأخلاقي واللصوصية المتخفية بلباس الفخامة في السلطة السياسية والمالية المدمرة للأخلاق والمجرمة بحق الإنسانية.
فهل يعقل أن العلمانيين لا يعرفون ان من يصنع النقود ويضخّها في المجتمع يستطيع أن يحصل على جزء من قيمة المال المتداول بين الناس، والذي يعتبر ضريبة مالية غير منظورة يجب دراستها ودراسة مفاعيلها، بينما يوافقون على ان تزوير العملات جريمة.
يمكنني بكل احترام تقبّل إنتقاد العلمانيين لممارسات بعض الإيكليروس الديني الذي يهتم بالشكل. ولكنني لا أفهم خضوعهم وانتقادهم للممارسات الشكلية دون البحث العلمي الدقيق في جوهر العلوم الدينية لانها الجهة الوحيدة التي حرمت التضخم المالي (ربا المال) وسرقة ثروة الشعوب والأمم، بينما كل المدارس السياسية والاقتصادية الحديثة لم تكلّف نفسها درس هذه المسألة بالدقّة الفيزيائية العلمية المطلوبة. فالسياسة عندهم هي فن الممكن، والسلطان وموظفي إدارته لا يمكن محاسبتهم ولا يمكن فهم دورهم أو إنتاجيتهم في المجتمع. والبنوك التجارية تولد النقود الوهمية بلا حسيب أو رقيب وتسرق كل الخير والنعمة والبركة من القيمة الشرائية للنقود وتحت نظر وبصر كل مدّعي العلم والعلمانية. وعليه فلا يجوز لهذا الفريق إنتحال صفة العلم وهو مصر على الواقع الفاسد والجهل والقبول بالفساد السياسي واللصوصية الاقتصادية.
وأختم بالقول أنني على استعداد تام لأي مناظرة علمية أثبت فيها فساد النظريات السياسية والاقتصادية الحديثة بكافة جوانبها ومدارسها الليبرالية الرأسمالية والاشتراكية التوتاليتارية والديمقراطية العددية والقومية، وبأنها جميعها غير قادرة على محاربة الفقر والفساد وسرقة أموال الناس، بشرط أن يتقبّلوا مناقشة المدرسة الإلهية التي أمرت بتحريم التضخم المالي ووجوب نمو القيمة الشرائية للمال ووجوب قياس إنتاج الحاكم الخادم ومكافأته أو محاسبته على قدر إنتاجه أو بلادته، وبنفس الوقت مكافأة ومحاسبة كل من يعمل في السلطة على قدر خدمته لصاحب العمل أي المواطن المنتج والمطور الحقيقي للثروة التي وهبها الله للبشر، وهي ثروة لا يمكن إحصائها ولا يمكن وجود فقير أو بائس واحد في المجتمع إذا أحسن استخدامها ضمن الدورة المالية في جسم المجتمع وهي دورة مشابهة تماماً للدورة الدموية في جسم الإنسان، فهل يجوز لطبيب أن يدّعي العلم وهو يجهل قياس العناصر التي تجري في الجسم عبر الدورة الدموية؟! ويصف الدواء دون فحص الدم ألا يكون طبيباً جاهلاً ومجرماً إذا رفض نظرية فحص الدم لمعرفة مكامن المرض.
هذا ما يرفضه العلمانيون في علم السياسة واقتصاد المجتمعات عندما يرفضون دراسة الرسالات السماوية بالشكل العلمي المنطقي والذي قد لا يعجب الكثير من رجالات الدين والإكليروس لأنه يقلّص مداخيلهم ومكاناتهم ويحوّلهم الى خدم للناس بدلاً من الوساطة بين الله والبشر...