في بيروت، لا تموت المساجد بل تتجدّد صورها؛ فحين تفرض الحداثة وتخطيط المدن أحكامها القاسية، يرحل الحجر ليبقى الأثر الروحي نابضاً في وجدان المدينة. هذه هي حكاية «جامع الصدّيق»، الصرح الذي لم يكن مجرد بناءٍ شُيّد في مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين، بل كان «بعثاً» جديداً لـ «مسجد الدباغة» العتيق الذي أزاحته مطرقة التخطيط المدني لولادة شارع «فوش»، ليظل شاهداً على إصرار أهل بيروت على بقاء بيوت الله مناراتٍ لا تنطفئ، حتى وإن تغيّرت خرائط الأسواق وتبدّلت ملامح الجغرافيا.
إن قصة هذا الجامع هي سجل حي لتحوّلات بيروت من مدينة «مسوّرة» تحكمها الحرف التقليدية، إلى عاصمة عالمية تنفتح على طرز المعمار الأوروبي، دون أن تفقد بوصلتها المتجهة دوماً نحو القبلة.
• من ضيق «الدباغة» إلى حداثة شارع «فوش»
على الجانب الشرقي لمرفأ بيروت القديم، كان «مسجد الدباغة» يرتفع متواضعاً ليخدم أصحاب الحرف والمرابطين والبحارة، إلى أن جاءت لحظة إعادة تخطيط قلب العاصمة وتوسعة طرقاتها. في تلك الحقبة، تقرر شق شارع «فوش» الشهير، الذي يُعد اليوم من أبرز الشوارع التجارية بوسط بيروت، ليكون نموذجاً للعمارة التي تزاوج بين النمط الأوروبي والروح العثمانية المتأخرة. والشارع الذي استمد اسمه من جنرال فرنسي لم يطأ أرض بيروت قط، فرض هدم المسجد القديم بداعي التوسعة.إلّا أن بلدية بيروت، وإدراكاً منها للقيمة الوقفية والروحية، قدمت لمديرية الأوقاف الإسلامية العقار رقم (1152) في محلة المرفأ، ليكون خلفاً للمسجد المهدوم. وبهمّة المحسنين وأهل الخير، عَمّرت المديرية سنة 1932م مسجداً جديداً أُطلق عليه اسم «جامع الصدّيق»، تعظيماً لذكرى الخليفة الأول أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه. ومنذ ذلك الحين، بدأ المسجد يستقطب أفواج المصلين من التجار والبحارة، ليغدو «قلب المرفأ النابض» بالإيمان.
• تجلّيات العمارة: هندسة تجمع بين الهيبة والرشاقة
يُعدّ جامع الصدّيق تحفة معمارية استثنائية، حافظت في ملامحها على «تراث الثلاثينيات» الرصين. فواجهته المكسية بالحجر الصخري المنحوت من جوانبه الأربعة، تمنحه هيبةً بصرية تتماشى مع مباني شارع «فوش» المستقيمة وأرصفتها المرصوصة بالبلاط «الناري».
يتألف المسجد من ثلاث طبقات، تجسّد كل منها وظيفة روحية واجتماعية:
- الطابق الأرضي (قاعة الحاج شفيق طبارة): كانت في الأصل عبارة عن دكاكين تجارية متفاوتة المستويات، لكن في رحلة الترميم الحديثة، فُتحت على بعضها البعض لتصبح صالة رحبة موحدة المنسوب. صُممت لتكون فضاءً متعدداً للأغراض؛ من الاحتفالات الدينية والنشاطات الاجتماعية إلى المعارض المتخصصة في الفنون التشكيلية الإسلامية، حاملةً اسم المحسن الذي أنقذ الجامع من دمار الحرب.
- الطابقان العلويان: هما الحرم وبيت الصلاة، حيث ترتفع الروح في فضاءٍ مكسو بالرخام الملون، ونوافذ مقنطرة شُغلت بزجاج ملون يحول ضوء النهار إلى سيمفونية من الألوان البصرية التي تغمر الجدران.
• هندسة المحراب والمنبر: دقّة الفن الدمشقي
يتجلّى الإبداع في «جامع الصدّيق» عند تأمّل المحراب والمنبر؛ ففي كل طابق، يبرز المحراب كقوصرة نصف دائرية، مكسوة بالرخام المطعم باللونين الأخضر والأحمر، في رسوم هندسية إسلامية معقّدة تعكس دقّة الصانع المسلم.
أما المنبر، فهو قطعة فنية نادرة مصنوعة بالكامل من الخشب «المخروط» والمشغول على الطراز الدمشقي العريق. يحتوي على زخارف نباتية وأشكال هندسية متداخلة، وتعلوه قبة خشبية صغيرة محمولة على أربعة أعمدة رشيقة، تمنح الخطيب هيبةً وقاراً، وتجعل من الكلمة الملقاة فوقه كأنها تأتي من محرابٍ سماوي.
• القبة والمئذنة: حوار المماليك والعثمانيين
يعلو بيت الصلاة قبة دائرية مجوفة، زُيّنت جدرانها بنقوش وكتابات قرآنية مذهلة تخطف الأبصار بجمال خطوطها العربية. أما المئذنة، فهي حكاية هندسية قائمة بذاتها؛ إذ تزاوج ببراعة بين الطرازين المملوكي (في رصانة قاعدتها) والعثماني (في رشاقة جسمها). هي مسدسة الأضلاع، مبنية من الحجر الأصفر المنحوت، ينتهي جسمها الدائري بشرفتين بديعتين، وتتوّج بمخروط يعلوه الهلال، لتكون علامة فارقة في أفق شارع فوش، تذكر العابرين بأن الله أكبر من صخب التجارة وضجيج الشوارع.
ولم يغفل المعماري عن عنصر «الارتقاء البصري»؛ فالباب الرئيسي المصنوع من الخشب المزخرف على شكل عقد «مكوز»، يمثل دعوة مفتوحة للدخول من عالم المادة إلى عالم الروح، في مساحة يمتزج فيها الرخام بالخشب بالضوء.
• البعث من الرماد: إرادة الخير في وجه الدمار
لم ينجُ جامع الصدّيق من «لعنة» الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)؛ فبحكم موقعه في منطقة المرفأ، تعرّض لتدميرٍ واسع وأضرار بالغة طالت جدرانه وقبابه. وظل المسجد جريحاً صامتاً لسنوات، إلى أن قيض الله له إرادة الخير متمثلة بالمحسن الكريم المرحوم الحاج شفيق طبارة، الذي تكفّل بإعادة ترميمه بالكامل على نفقته الشخصية.
وبإشراف هندسي دقيق من الدكتور سعيد الجزائرلي، خضع الجامع لعملية تأهيل وصيانة شاملة، حافظت على ملامحه التاريخية مع إضافة لمسات الحداثة الوظيفية. وفي 16 نيسان 1999، أُعيد افتتاح المسجد في احتفالية مهيبة، ليعود نور «الصدّيق» متوهجاً من جديد، مؤكداً أن بيروت تمتلك قدرة أسطورية على النهوض، وأن «بيت الله» الذي شُيّد كبديل لجامع الدباغة، صار هو نفسه أصلاً وتاريخاً لا يمكن تجاوزه.
****
جامع الصدّيق في شارع فوش ليس مجرد مسجد بني في عهد الانتداب، بل هو رمز لمرونة الوقف الإسلامي وقدرته على التكيف مع التخطيط المدني الحديث دون التنازل عن الهوية والقداسة. إنه المكان الذي يجمع بين «فن الأبلق» المملوكي، و«رشاقة» المآذن العثمانية، و«فخامة» المعمار الدمشقي، ليبقى الحارس الروحي لمرفأ بيروت وذاكرة أسواقها التي لا تهدأ.