بيروت - لبنان

اخر الأخبار

17 آذار 2026 12:00ص بيوت الله في بيروت: رحلة عبر قرون من الإيمان والعمارة (23)

من خشوع زاوية أبو النصر اليافي إلى شموخ مسجد محمد الأمين.. سيرة الروح التي نهضت بها العاصمة

حجم الخط
بيروت… تلك المدينة التي لا تشيخ، وإن أثقلتها الحروب وأنهكتها الفتن، تظلّ تحمل في أحشائها ذاكرةً حيّة، تنبض كقلب لا يتوقف، وتسري في عروق حجارتها حكايات الأجداد وأنفاسهم وصلواتهم. فكأنّ كل حجر في هذه المدينة يحفظ آية، وكل زاوية من زواياها تختزن أذاناً لم يصمت، حتى حين صمتت المآذن وعلا دخان البارود فوق سمائها.

****

بين «زاوية أبو النصر» و«مسجد محمد الأمين صلى االله عليه وسلم» مسافةٌ ليست مجرد زمن يُقاس بالسنين، بل هي رحلة روح في عمق بيروت الإيمانية، رحلة تبدأ بفرمان سلطاني وتنتهي بمئذنة تصدح، وبينهما حكايات رجال أتقياء لم ينضب لعطاءاتهم معين، توارثوا الإيمان كما يتوارث أبناء البحر عشق الموج، وصانوا عهد الوقف كما يصون المحبُّ سرَّ محبوبه.

• حين أنصفَ السلطانُ الجميعَ: ميثاق «سهلات البرج»

في أواخر القرن التاسع عشر، حين كانت بيروت لا تزال تشرب من نهر الولاية العثمانية، اجتاحها وباء غادر أصاب عيون أطفالها بداء «التراخوما»، ذلك الرمد الخبيث الذي سرق منهم بريق العيون قبل أن يعرفوا الدنيا حقاً. فجاءت بعثة من راهبات «اللعازارية» قادمةً من بعيد، ضربت خيامها تجاه درج خان البيض، في الأرض البوراء، وأخذت تداوي العيون الصغيرة بأيدٍ حانية وقلوب مفعمة بالرحمة.
ولم تمرّ هذه البادرة الإنسانية دون أن تُحرّك وجدان السلطان عبد المجيد الأول، فأصدر فرماناً شاهانياً يمنح الراهباتِ الأرضَ التي أقمن عليها. وأبى السلطان إلّا أن تكون بادرته عادلة متوازنة، إذ كانت سياسته في عهد «التنظيمات» تحرص على إرساء توازن دقيق بين الرعايا، فأصدر في الوقت ذاته فرماناً آخر منح بموجبه المسلمين، عن طريق نقيب الأشراف أبي الوفاء عمر أبي النصر اليافي، قطعةَ أرضٍ في الجهة الغربية الجنوبية من «سهلات البرج».
وقد أشار المؤرخ طه الولي في كتابه المرجعي «تاريخ المساجد في بيروت» إلى أن هذا الفرمان لم يكن مجرد هبة عقارية عابرة، بل كان وثيقة تكرّس التنوع وتضمن استقرار الهوية الثقافية للمدينة الناشئة، إذ أراد السلطان إيجاد توازن عمراني بين المنشآت الإرسالية الأجنبية والمنشآت الوقفية الإسلامية المحلية، ليبقى «قلب بيروت» التجاري والروحي منصفاً لكل عابريه.

• آل اليافي: سلالة الأشراف وسدنة الإرشاد في ثغر بيروت

لم يكن نقيب الأشراف أبو الوفاء عمر أبو النصر اليافي رجلاً عادياً في تاريخ بيروت، بل كان قطب رحى العلم والتصوف. تعود جذور هذه العائلة إلى مدينة غزة الهاشمية، حيث برز منهم علماء وفقاء وشعراء حملوا لواء العلم أينما حلّوا. وُلد الشيخ عمر في غزة، وتلقى علومه الأولى في رحابها والقدس ودمشق، ثم لزم مشايخ «الطريقة الخلواتية» في مصر، وغرف من معين تصوفهم القائم على الزهد والذكر.
عندما استقر الشيخ عمر اليافي في بيروت، رآها «ثغراً من ثغور الإيمان» يحتاج إلى مرشدين يرفعون سويته الروحية. فأسس «الزاوية اليافية الخلواتية»، التي لم تكن مجرد جدران للصلاة، بل كانت مدرسة لتربية النفوس. ويصف المؤرخ عبد اللطيف الفاخوري مكانته قائلاً: «كان اليافي يمثل الوجه الحضاري للتصوف البيروتي؛ تصوفٌ لا ينعزل عن الناس، بل يعيش أوجاعهم. فكانت زاويته ملاذاً لكل ذي حاجة، وكان مجلسه يجمع بين والي المدينة وأفقر حمال في المرفأ».
توارث أبناء الشيخ اليافي وأحفاده هذه الأمانة، فبرز منهم الشيخ محمد والشيخ عبد الكريم، الذين تولوا منصب «نقابة الأشراف» لسنوات طويلة. هذا المنصب لم يكن تشريفياً، بل وضع آل اليافي في قلب المعادلة الاجتماعية والسياسية للمدينة، فكانوا المرجعية التي يلجأ إليها الناس لتثبيت الأنساب وحل النزاعات الكبرى. لقد كان آل اليافي «سدنة الروح» في ساحة البرج، وحرصوا على أن يظل «سوق أبو النصر» الذي أوقفوه، سوقاً مباركة لا يطغى فيها الجشع على القيم.
ومما ميز آل اليافي أيضاً، تضلعهم في علوم اللغة والأدب؛ فالشيخ عمر كان شاعراً مفلقاً ترك ديواناً يفيض بالمواجيد الصوفية والحكم الأخلاقية، كانت قصائده تُنشد في حلقات الذكر بالزاوية فتسمو بالأرواح. هذا البعد الأدبي جعل من الزاوية منتدىً ثقافياً يؤمه الأدباء، مما جعل العائلة في طليعة النهضة الفكرية التي شهدتها بيروت في القرن التاسع عشر.

• سوق أبو النصر: تجارة باركها الوقف

بناءً على الفرمان وبهمة آل اليافي، بُنيت سوق تجارية وقفية عُرفت باسم «سوق أبو النصر»، تيمّناً بنسب الشيخ وتخليداً لذكره. كان السوق يقع في محلة إدّة تجاه «برج الكشاف»، مؤلفاً من دكاكين وقهوة برواق اشتهرت فيما بعد بقهوة «القزاز».
وقد وصف الرحالة البريطاني ويليام ثاكري ذلك التداخل الفريد بين الروحاني والتجاري في بيروت قائلاً: «في هذه المدينة الساحلية المدهشة، لا ينفصل الدين عن الحياة اليومية. يمكنك أن ترى التاجر يترك بضاعته في السوق، ليخطو خطوات قليلة نحو «زاوية» خافتة الضوء، حيث يغرق في التأمل للحظات قبل أن يعود لصخب البيع والشراء».
كما يضيف الرحالة الفرنسي جيرار دو نيرفال في كتابه «رحلة إلى الشرق»: «في سوق أبو النصر تشعر بوقار خاص يمنحه اسم صاحبه؛ حيث يمتزج صوت المساومة بين التجار بهدوء المصلين الخارجين من الزوايا، وتفوح من الدكاكين روائح التوابل واللبان الممزوجة برائحة البحر».

• زاوية أبو النصر: هندسة الخشوع والسكينة

في الطابق الأول من الدار الفخمة التي شيّدها الشيخ، وُلدت «زاوية أبو النصر» (الزاوية الخلواتية). يصف الباحث الراحل فوزي القطب في كتابه «بيروت في ذاكرة أبنائها» هندستها بدقة شاعرية وتوثيقية: «كانت تمتاز بقناطرها الحجرية العريضة التي تحاكي عمارة بيروت العثمانية، والمبنية من الحجر الرملي المحلي الذي يتنفس الرطوبة. كانت نوافذها المطلة على السوق تسمح بمرور النسيم البحري الممزوج برائحة البخور والجاوي، أما الداخل فكان عالماً من السجاد العجمي الأحمر وتزين جدرانه لوحات خط الثلث الرصين».

• ساحة الشهداء: حضن المكان وشاهد الزمان

لا يمكن لأي حديث عن «مسجد محمد الأمين صلى االله عليه وسلم» أن يستقيم دون أن يتوقف عند «ساحة الشهداء» (ساحة البرج) التي تحتضنه. فهذه الساحة هي صدر بيروت الواسع الذي احتضن أحداث المدينة لقرون. وصفها المؤرخ الدكتور حسان حلاق بأنها كانت «القلب النابض»، وأن زاوية أبو النصر كانت تمثل «الحصن الروحي» الذي يوازن بين صخب التجارة وخشوع الآخرة، وكانت بمثابة «بوابة الروح» للداخلين إلى أسواق بيروت من جهة الشرق.

• الأمير عبد القادر الجزائري: ليلة في رحاب اليافي

ومن أبهى صفحات هذه الزاوية، استقبال آل اليافي للبطل الأمير عبد القادر الجزائري عام 1862م. كان الأمير المجاهد المتصوف يبحث عن «أشباهه» في الروح، فوجد في آل اليافي وعلمهم الضالة التي ينشدها. أقيمت له ليلة ذكرٍ مهيبة في الزاوية، وخلّد شاعر بيروت الأكبر أبو الحسن قاسم الكستي تلك الزيارة بقصيدة كانت تُردد في أروقتها:
هو للقادر المهيمن عبدُ... بهداهُ أعيا الزمانَ وراعَهْ
محي الدين العلى أبوه برشدٍ... وإلى جَدِّه تؤول الشفاعة
رأيه كالحسام بل ذاك أمضى... كم أرانا في المشكلات زعامَةْ
منح هذا اللقاء الزاوية بعداً قومياً وعربياً، وجعل من العقار 323 / مرفأ بقعة مباركة شهدت عناق العلم والجهاد.

• حين ابتلع الدخانُ الذاكرةَ

بقيت «زاوية أبو النصر» صامدةً لأكثر من قرن، حارسةً لمدخل الأسواق القديمة، حتى اندلعت حرب 1975م. ولأن الزاوية كانت تقع في «نقطة الصفر» بين المتقاتلين، تحولت إلى هدف للقذائف. يروي من عاينوا الدمار بمرارة أن سقوط الزاوية لم يكن سقوط أحجار، بل كان «بتر لسان» بيروت الروحي؛ سقطت القناطر واحترق السجاد وصمت الأذان، لتصبح الأرض بلقعاً لسنوات طويلة، منتظرةً يداً كريمة تعيد لها هويتها.

****

بيروت لا تنسى إن قصة «زاوية أبو النصر» وسيرة آل اليافي هي المقدمة الضرورية والوجدانية لفهم عظمة «جامع محمد الأمين صلى االله عليه وسلم» اليوم. فالأرض التي سجد عليها الأمير عبد القادر، والتي تعطّر ترابها بذكر آل اليافي، لم يكن لها أن تبقى ركاماً. لقد كانت تلك الزاوية هي «البذرة» التي نبتت لاحقاً بفضل رؤية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي أدرك بحدسه أن نهوض بيروت يبدأ من مآذنها، واصلاً ما انقطع من تاريخ «الزاوية الخلواتية» بعظمة «المسجد الجامع».
بيروت وحدها تعرف كيف تحوّل الجراح إلى مآذن، من خلوة آل اليافي البسيطة إلى شموخ مسجد محمد الأمين بقبابه الفيروزية.. المسافة بينهما هي استمرارية روح لا تنطفئ، وإيمان بأن هذه المدينة، مهما قست عليها الأيام، تعرف دائماً كيف تعود ساجدةً وعظيمة.