د. تاليا عراوي*
لم يمضِ وقت طويل منذ أن ضجّت وسائل الإعلام العالمية بفضيحة أخلاقية مدوية هزّت الوجدان الإنساني، حين اكتشفت عائلة وهبت جثمان فقيدها لتعليم طلاب الطب أسرار التشريح في أجواء يسودها الوقار، أن هذا الجسد قد استُبيح في قاعة فندق عامة؛ حيث جرى تشريحه أمام جمهور دفع تذكرة مشاهدة بلغت خمسمائة دولار للشخص الواحد، ولقد تحوّل المشهد من محراب للعلم إلى عرض تجاري فجّ، يثبت أنه حين يُشحذ مبضع العلم ببرد الجشع ويُطرح الجسد البشري في مزاد الأسواق، يكفُّ الإنسان عن كونه معجزة ليمسي مجرد سلعة.
إننا نلجّ اليوم عصراً موحشاً يُختطف فيه المعلم الصامت من جلال المختبرات التعليمية ليُلقى به على مسارح الاستعراض، كما يتجلّى في معرض عالم الجسم Body Worlds، الذي حوّل الجثث عبر تقنية التلدين إلى أوضاع حركية ورياضية.
ورغم دعاوى تبسيط العلوم، تظل التساؤلات الأخلاقية قائمة؛ إذ يرى المنتقدون أن وضع الجثث في أوضاع فنية يحوّل وعاء الأسرار الإلهية إلى تذكرة لترفيه عابر، في انتهاك صارخ لما قرره الوحي الإلهي من تكريم شمولي للإنسان، حيّاً وميتاً، حيث يقول الله تعالى: {ولقد كرّمنا بني آدم}، وهذا التكريم ليس منحة بشرية تُسحب عند الموت، بل هو صبغة ربانية تلازم الجسد حتى يوارى الثرى.
حرمة الميت كحرمته حيّاً
وهنا تبرز دقة الفقهاء المسلمين الذين قعدوا قاعدة أن الآدمي محترمٌ ميتاً كاحترامه حيّاً، مؤكدين أن الكرامة لا تسقط بالموت. وقد أبدعوا في تفصيل هذا الأدب؛ فنهوا عن الجلوس على القبور أو المشي عليها، وقرروا أن الميت يتأذّى مما يتأذّى منه الحيّ.
هذا الوعي جعلهم يشدّدون في التشريح؛ فلا يُصار إليه إلّا لضرورة قصوى تحقق مصلحة راجحة، مع وجوب صون كل جزء وإعادة دفنه بوقار؛ فالأصل هو الصون لا الابتذال.
هذا الامتهان المعاصر صدىً لمأساة غزوة أحد، حيث انتهكت هند بنت عتبة جثمان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ببربرية أدمت قلب النبي صلى االله عليه وسلم الذي قال بمرارة: لن أُصاب بمثلك أبداً. لكن الإسلام، وبرغم هول الفاجعة، وضع ميثاقاً يئد الوحشية بنهيه عن المُثلة، معلناً ميثاقه الخالد: (كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا)، إن هذا الحديث ليس مجرد نص تشريعي، بل هو إعلان حقوقي يقرر أن الألم الاعتباري للميت يوازي الألم الحسّي للحيّ في ميزان الشريعة.
ولعلّ التاريخ الغربي قد عرف أحلك عصوره حين تحوّل الطلب على الجثث إلى دافع للقتل العمد، كما في جرائم بورك وهير في إدنبرة عام 1828، مما رسّخ مصطلح البوركينج كوصمة عار تعكس بشاعة تسليع الإنسان. وهنا نستحضر المنهج القرآني الذي جعل الاعتداء على نفس واحدة بمثابة اعتداء على الوجود بأسره: {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}.
تُشير الوقائع المعاصرة إلى خطر تسليع الجثث في مراكز السمسرة، مما يضعنا أمام تساؤل قيمي: هل الجسد وعاءٌ مقدّس أم مجرد مادة بيولوجية؟ إن الضابط النبوي يقرر أن الموت لا يحوّل الجسد إلى نفايات، بل يظل أمانةً مستحقة للوقار؛ مصداقاً لقوله تعالى {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى}، لذا يفرض هذا التكريم أدباً رفيعاً يحوّل مَشرح التشريح إلى محراب للتبصّر في الإعجاز الإلهي: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}؛ فكل عضلة وشريان شاهدة على قوله: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}. وبناءً عليه، فإن رتق الشقوق الجراحية بعد الدرس ليس مجرد إجراء تقني، بل هو فعل إحساني يهيئ الجسد لدفن يليق بقدسيته، انطلاقاً من مبدأ النبي: إن الله كتب الإحسان على كل شيء.
وتشتدّ الحاجة لهذه الرؤية عند تأمّل الوجه البشري؛ ذاك الأرشيف الإلهي، فبينما تسعى النزعة المادية للتعامل معه كسطح بلاستيكي، نجد الهدي النبوي ينهى عن ضرب الوجه أو تشويهه حتى في العقوبات، إكراماً للصورة التي اصطفاها الله. ويأتي التذكير القرآني في قوله تعالى: {بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} ليكون توقيعاً إلهياً على فرادة الإنسان التي لا تنتهي بالتحلل.
الأخلاق في العلم
ولهذا كله، يجب ضمان تقديم درس التشريح بروح العلوم الإنسانية، مستلهمين عظمة النبي حين قام إجلالاً لجنازة يهودي، مجيباً من تعجّب: «أليست نفساً؟»، هذا هو المعيار الذي يجب أن يحكم طاولة التشريح؛ حيث نحثّ الطالب على اللقاء الوجودي مع المعلم الراقد أمامه ليتساءل عن هوية صاحب هذه اليد؛ هل كانت يد صانع كادح، أم يد أم حنون؟ إن هذا المنهج الأخلاقي هو الحصن المنيع الذي يمنع «تشييء» الآخر، وهنا تبرز مسؤولية الأساتذة في غرس هذه الهيبة؛ فالتكريم الإلهي في قوله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}، يضع أمانة الأخلاق على عاتق المعلم ليكون العلم خشيةً وتواضعاً.
إن الطبيب الذي يستهلّ رحلته بصون أمانة الموتى سيحمي حياة الأحياء بضراوة؛ ليقينه أن الإنسان صنعة الخالق التي لا يجوز العبث بها. وحين يُودع المعلم الأول ثراه بوقار، نغرس في قلب الطبيب بذور التقوى، مؤكدين أن حرمة الإنسان أشدّ عند الله من حرمة الكعبة. فجسد الإنسان ليس مادة تخضع لقوانين الفيزياء فحسب، بل هو سردية مقدّسة بدأت بنفخة الروح ولا تنتهي بتوقف النبض؛ وحماية كرامته هي حائط الصد الأخير ضد توحش المادية التي تحوّل الوجود الإنساني إلى مجرد أرقام في كشوف الأرباح.
نحن اليوم لا نقف أمام كتل بيولوجية، بل أمام أمانة الله التي استودعها في خلقه، وبصونها نحمي جوهر إنسانيتنا؛ فالمجتمع الذي لا يوقّر موتاه، سيعجز حتماً عن صون أحيائه. ليكن درس التشريح الأول والأخير هو التقوى؛ ليدرك جيل الأطباء أن بين أيديهم بنياناً للّه لا يهان. فما دام النداء النبوي «أليست نفساً؟» يتردد في الوجدان، ستظل كرامة الإنسان حصناً منيعاً، وسيبقى الموت رحلة كريمة تبدأ من الله وتعود إليه، في رحاب قوله عز وجل: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ}؛ ففي الإقبار سترٌ وصونٌ وتكريمٌ، يأبى أن يطاله جشعُ الأسواق.
* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان