د. تاليا عراوي*
إن كرامة الإنسان وحرمة جسده مصونة في الحياة وبعد الممات، وهي مبدأ أساسي يجمع عليه القانون الدولي والأخلاق الإنسانية، وتؤكده الشريعة الإسلامية التي تُعلي من شأن الإنسان وتشدّد على ضرورة تكريم الميت ومنع الاعتداء على جسده أو التشويه به أو نهبه، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} (الإسراء: 70).
بينما تثبت الروايات التاريخية المتعددة أن هند بنت عتبة أمرت بقتل حمزة (رضي الله عنه) ومثّلت بجسده (ببقر بطنه وقطع بعض أطرافه) بدافع الثأر في غزوة أحد، يرى المحققون من أهل الحديث أن الرواية المشهورة بخصوص مضغها لكبده تحديداً ضعيفة وغير ثابتة الإسناد. وبصرف النظر عن هذه التفاصيل، فقد كان موقف النبي صلى االله عليه وسلم من التمثيل بعمّه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حزيناً ومؤثراً للغاية، ورغم أنه همّ بالانتقام بالمثل، فقد أنزل الله تعالى قوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (النحل: 126)، فكفّر النبي عن يمينه ونهى عن المُثلة تحريماً مطلقاً، ليُرسي بذلك مبدأ حرمة جسد الميت وتكريمه في الإسلام.
صيانة الكرامة الإنسانية
إن الإسلام دين عالمي، لا يتقيّد بزمان أو مكان، بل هو صالح لكل العصور، وبالتالي فإن المبادئ التي أرساها النبي صلى االله عليه وسلم، كتحريم المُثلة (التشويه) ووجوب صون كرامة الميت، هي أحكام قاطعة ومستمرة المفعول عبر الأجيال. وفي ضوء هذا المبدأ، فإن ما يتم الكشف عنه اليوم من تقارير طبية وقانونية - سواء الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية في غزة والفرق الجنائية، أو المدعومة بنتائج منظمات دولية مثل (مركز أبحاث TRT World) - حول انتهاك حرمة أجساد الغزيين وتشويهها، هو خرق صريح لهذا المبدأ الإلهي الذي تم تأكيده حتى في أصعب الظروف التاريخية (كما حدث في غزوة أحد). وقد استدعت هذه التقارير الاهتمام الدولي الفوري، خاصة بعد فحص أكثر من 120 جثماناً تم استردادها من مقابر جماعية بمجمع ناصر الطبي أو تلك التي أعادتها سلطات الاحتلال. وتُشير الأدلة الجنائية الأولية إلى وقوع انتهاكات جسيمة ومنهجية للقانون الإنساني الدولي والأخلاقيات الطبية وحرمة الأموات، حيث أفادت فرق الطب الشرعي بشهادات متطابقة ومروّعة حول ظهور علامات التقييد وتغطية العيون وإصابات بأعيرة نارية في الرأس على العديد من الجثامين، مما يشير بقوة إلى شبهات إعدامات ميدانية وتعذيب شديد، وهو ما يمثل انتهاكاً جسيماً للكرامة البشرية. ولذلك، فإن قضية التمثيل بالجثث في غزة ليست مجرد حدث عابر، بل هي ضرورة شرعية وإنسانية قصوى لا يمكن ولا يجوز تجاهلها، لأنها تمسّ جوهر تكريم الإنسان الذي جاءت به الشريعة.
ومما يزيد الأمر بشاعة، تجدّد مزاعم تتعلق بسرقة أعضاء حيوية؛ حيث أثار المسؤولون الصحيون، بناءً على ملاحظات الطب الشرعي، شكوكاً حول نهب الأعضاء (تحديداً القرنيات، والكلى، والكبد)، مستشهدين بـشقوق جراحية وأنسجة مفقودة وُجدت على الرفات، وفي حال تأكّدت هذه الممارسة، فإنها تشكّل خرقاً جسيماً للأخلاقيات الطبية والقانون الدولي.
انتهاك الالتزامات الجوهرية
إن الأفعال المتمثلة في تدنيس الجثث واستغلالها تنتهك بشكل مباشر الالتزامات الجوهرية المنصوص عليها في القانون الإنساني الدولي، وأبرزها اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 التي السلطة المحتلة طرفاً موقّعاً وملتزماً بها، والتي تفرض معاملة الموتى بكرامة ومنع التشويه أو النهب لرفاتهم (المادة 16 من اتفاقية جنيف الرابعة). كما تلتزم جميع الدول بـقواعد القانون الدولي الإنساني العرفي التي تفرض حظراً مطلقاً على تشويه الجثث ونهبها (القاعدة 113)، ويقع استغلال الأعضاء ضمن هذا الحظر. علاوة على ذلك، فإن طريقة التعامل مع الجثامين وإعادتها قد انتهكت المعايير الجنائية، حيث أُعيدت الغالبية العظمى من الجثث دون تحديد هوية، وغالباً ما كانت تحمل علامات مرقمة فقط، وهذا الفشل يعيق بشكل فعّال عمليات تحديد الهوية والمصالحة.
إن الإسلام ينظر إلى جسد الإنسان، حيّاً كان أو ميتاً، على أنه حرمة مصونة ووديعة مقدّسة. إن انتهاك حرمة الجسد بعد الموت هو بمثابة التعدّي عليه وهو حيّ، تأكيداً للحديث النبوي الشريف: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا». هذا المبدأ يحوّل كل شق جراحي غير مبرر، وكل رفات مُشوّه، وكل عملية نهب مزعومة للأعضاء، إلى جريمة نكراء تضرب في صميم تكريم بني آدم. فسرقة الأعضاء، على وجه الخصوص، تُعدّ نهباً محرّماً واعتداءً فظيعاً على ملكية الله للجسد، حيث يُحظر بيع الأعضاء أو نزعها قسراً بأي حال. إن صون كرامة الموتى وإعلاء حكم الله في حفظ النفس وحرمتها هو ضرورة شرعية وإنسانية قصوى.
الكرامة الشاملة واختبار الضمير
لتعزيز هذا المبدأ العالمي لحرمة النفس، تُروى قصة مؤثرة عن النبي محمد صلى االله عليه وسلم حين كان جالساً يوماً مع أصحابه في المدينة، فمرّت بهم جنازة لرجل يهودي. قام النبي صلى االله عليه وسلم فوراً ووقف لها فزعاً. وعندما استغرب الصحابة وقالوا: «يا رسول االله، إنها جنازة يهودي!»، جاء الردّ الخالد الذي يختزل كل معاني الإنسانية: «أَلَيْسَتْ نَفْساً؟». لقد أكّد هذا الجواب القصير أن حرمة الإنسان وكرامته لا تسقط بوفاته ولا تُلغى باختلاف دينه، فالوقوف إجلالاً لـلنفس الإنسانية المكرّمة.
إن ما كشفت عنه أحداث المقابر الجماعية المروّعة في غزة، بما اشتملت عليه من تشويه ممنهج للجثامين، والمزاعم المقلقة حول سرقة الأعضاء، والعلامات الصارخة التي تشير إلى إعدامات ميدانية، يُسدل الستار بعنف عن أزمة وجودية عميقة في الضمير الإنساني. هذه الأفعال تتجاوز بمراحل مجرد كونها انتهاكاً خطيراً للقوانين والمواثيق الدولية، لتصبح اعتداء فاضحاً ومباشراً على قدسية الكرامة البشرية ذاتها. تلك القدسية التي لم يأتِ الإسلام إلّا ليُعلي من شأنها، مؤكداً على أن حُرمة الميت كحُرمة الحيّ، وهو مبدأ أخلاقي راسخ، بل ومشترك بين الأديان الإبراهيمية الثلاثة، يجعل من هذه الفظائع إهانة للمشترك الإنساني برمّته وإعلاناً عن تدهور في فهمنا لمعنى الإنسانية. لذا، يظل التحدّي الأخلاقي الأكثر إلحاحاً اليوم هو: كيف يمكن للعالم أن يسمح باستباحة حُرمة الإنسان المكرَّم - وهو المبدأ الذي تبتني عليه كل الأخلاقيات العالمية - دون أن يُجيب على هذا التعدّي بوقف فوري وعمل حاسم؟ إن الاستجابة هنا ليست خياراً دبلوماسياً، بل هي اختبار أخير للحضارة. فحيث تُدنس كرامة الأموات، تسقط إنسانية الأحياء.
* كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان