بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 كانون الثاني 2026 12:00ص عام جديد مرَّ.. ونحن نؤكّد (اللاشيء) في حياتنا؟!

حجم الخط
علّمنا الإسلام الحنيف أن مرور الأيام والأشهر والسنوات على الإنسان تحمل في طيّاتها العِبَر والمواعظ التي لا بد لكل عاقل أن يتعلّم منها ما يكون فيه الخير في قادم أيامه، فقد قال الله تعالى: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن علمه فيمَ فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن جسمه فيمَ أبلاه)، وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك).
وفي سبيل ذلك ألّف السلف الصالح العديد والعديد من الكتب التي تبرز أهمية هذا الأمر ونقصد التعلّم من مرور الأيام... ومنهم ابن خلدون الذي وضع كتاباً سمّاه (كتاب العِبَر) بيَّن فيه أهمية النظر في تاريخ الأمم وضرورة النظر فيما مرَّ للأقوام السابقة بهدف الاعتبار والاتعاظ، وعدم تكرار أخطائها وسلبياتها.
ولكن في بلادنا الحزينة... فبكل أسف لم يتقن غالبية اللبنانيين هذه الحكمة، فأصرّوا على تضييع الجهود هباء، وتركوا الاتعاظ والتعلّم، ثم هجروا الاعتبار من مرور الأيام وتعاقب الأحداث، وصبّوا جلّ اهتمامهم على الانشغال بتوافه الأمور حتى نسوا أزماتهم ومعاناتهم، تماماً كما نسيهم المسؤولون عنهم منذ زمن بعيد..؟!

انقلاب الأولويات

ففي بلادي المسكينة... نحن في كل عام يمرُّ علينا نثبت أننا نزداد بُعدا عن رقيّ هذا الدين الحنيف لنضيف على سجلات «إنجازاتنا» بندا جديدا ندوّن فيه غربتنا عن عدالة السماء التي أمرنا بها..!!
في كل عام نؤكد سطحيتنا.. وأنانياتنا.. وجهلنا.. وتعصّبنا الأعمى.. وعيشنا على الهامش.. وتشويهنا لأمور ديننا.. وإساءتنا لأنفسنا..
في كل عام.. نصوم ولا نتغيّر.. ونحجّ ولا نتغيّر.. ونزور النبي ولا نتغيّر.. ونعيّد ولا نتغيّر.. ونقرأ القرآن ولا نتغيّر..
والعجيب أننا أيضا في كل عام.. نستغرب حالنا المأساوي الذي وصلنا إليه حتى أصبحت حياتنا.. سنوات من الاستغراب المتواصل.. ولا شيء سوى الاستغراب..؟!
وهكذا حتى مرّ العام.. ولم نتعلّم... ولم نتعظ.. ولم نعتبر...
فازداد السوء سوءا... وتضاعفت آثار الفساد.. وتكاثرت أنواع المشاكل من حولنا.. ونحن كما نحن، نقيم المعارك (الوهمية التافهة) ونبرع في خوضها بهدف الحصول على بعض من المكاسب (الغرائزية) التي لعلّها تنسيها فشل الواقع الذي نعيش فيه..؟!
نعم... نحن كلبنانيين شعب بكل أسف لا نتعلّم - والأخطر أنه لا نريد أن نتعلّم..؟!
وبدلا من أن نعمل في الليل والنهار بهدف تحقيق التغيير المنشود الذي نريده، يعمل الليل والنهار فينا ليرسّخ في نفوسنا خطيئة كبرى اسمها «الانشغال بتوافه الأمور وتحقيق اللاشيء»، وهذه «الفضيحة» ان دلّت فإنما تدلّ على أمر واحد وهو انقلاب ميزان الأولويات في نفوسنا وحياتنا وبلادنا، حتى بات المهمّ ثانويا.. والثانوي مهمّاً.. وضاعت حياتنا بلا هدف في بلادنا المسكينة..؟!

خطأ عام

ولا أقصد بكلامي هذا تصويب التهمة نحو الشعب فقط.. ولكن خطيئة (السعي إلى اللاشيء) أصبحت خطيئة عامة، شملت في عباءة فسادها الحاكم والمحكوم، والرئيس والمرؤوس، والإمام والمأموم.. فكادت أن تكون صفة لبنانية أصيلة..؟!
الغالبية في بلادي تترك عظائم الأمور... وتنشغل في سخيفها..؟!
الغالبية يهجرون الأهم... ويؤخذون بالتوافه..؟!
في السياسة وفي الاقتصاد وفي التربية وفي التعليم وفي الطبابة وفي الإعلام وفي الثقافة وفي الرياضة وفي القضاء وفي الغذاء وفي الكهرباء وفي الماء.. التافه السطحي هو السائد الذي شغل الناس..!؟
بل وأقول آسفا، حتى في مجال الدعوة والدعاة والخطاب الديني في بلدي المسكين تركنا كلّ هام بناء وضروري.. وانشغلنا بفروع الفروع التي لا تقدّم بل تؤخّر وأقمنا عليها المعارك والخصومات..؟!
تقوم الدنيا ولا تقعد على منابر الجمعة هجوما على شخص يعيش في بلاد (الماوماو) أساء للإسلام بكلمة، بينما لا نسمع كلمة واحدة عمن أساء إلى الدين وإلى الإنسانية وإلى الشعب وإلى الناس في بلادنا فضيّع أجيالا وهجّر أجيالا، بل على العكس تماما، نرسم حوله عشرات الخطوط الحمر، ونصف من ينتقده بأبشع صفات الخيانة والعمالة، ونصوّر عملية انتقاده هجوما مرفوضا على الطائفة كلها، وهكذا حتى حقّ علينا قول الله تعالى: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ}، فأصحبنا في أدنى درجات الإنسانية بين سائر الشعوب والبشر من حولنا..؟!
أيها الشعب المسكين... في بلادي المسكينة.. لقد أخبرنا المولى تعالى في كتابه الكريم أن أي تغييرا يبتغيه الإنسان في حياته مهما كان، كبيرا أو صغيرا، لن يكون إلّا من خلال تغيير النفس أولا، ولذلك قال {إنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.
أيها السادة.. إن هذا الدين ليس مجموعة حركات أو هيئات نفعلها وانتهى الأمر، وإنما هو مشروع حضاري شامل متكامل الأركان، لا يقدر عليه إلّا الرجال - نعم الرجال - الذين أحسنوا العلاقة مع كتابهم ومع سنّة رسولهم وسعوا لتحقيق أهداف راقية في حياتهم تخدم مصلحة أمتهم، فعملوا عليها في مختلف أمور حياتهم، وأي بُعد أو تغافل أو تقاعس أو تكاسل عن هذا المفهوم الراقي هو إساءة صريحة وواضحة ستنقلب ضدنا لنكون أول الخاسرين..
ولذا.. دعوة مباشرة نطلقها فنقول، إما أن نستيقظ من هذا السبات المخزي الذي أصابنا فنبدأ فورا بالعمل والإصلاح والرقيّ ونشر العلم وبناء الإنسان المسلم الحضاري، وإما سنبقى في حفرة «اللاشيء».. لنكون بين الأمم «لاشيء»..!؟

bahaasalam@yahoo.com