تأتي ذكرى معجزة «الإسراء والمعراج»؛ لتؤكّد وتجدّد الدعوة إلى التعايش السلمي المشترك بين البشر جميعاً، باعتبارها ميثاقاً سماويا خالداً في مواجهة خطاب الكراهية والتطرف والعنصرية.
ويؤكد علماء الدين أنَّ تلك المعجزة تألّقت في تاريخ الوجود كدُرةٍ فريدة، حيث ارتدت الدنيا حُلّة من السكينة، وانفتحت أبواب السماء لترحّب بصفوة الخلق صلى الله عليه وسلم إذ عاش الكون في تلك الليلة حالة سكون ليفسح المجال لرحلةٍ اخترقت حدود الزمان والمكان، فكانت نسمات بيت المقدس، وعبق السماوات العلا؛ يمتزجون في مشهدٍ مهيب، تلاشت فيه ظلمة الليل أمام أنوار القرب الإلهى، والفيض الرباني، أن الرحلة انطلقت لترسم للمؤمنين طريقاً يمتد من أوجاع الأرض إلى فيوضات السماء، محوّلةً الألم إلى أمل، والضيق إلى انشراحٍ، ليُعلن في عالم الملك والملكوت أنَّ سيد الكونين والثقلين، عليه الصلاة والسلام، في ضيافة الخالق، سبحانه وتعالى.
البيومي
فيرى الدكتور محمد عبد الرحيم البيومى، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، أنَّ رحلة «الإسراء والمعراج» تُعدّ ميثاقاً سماوياً خالداً للتعايش السلمي بين البشر جميعاً، موضحا أن هذه المعجزة فيها من الرسائل والدروس والعِبَر ما نتخذه وسيلة ومنهجاً في مواجهة خطاب الكراهية والتطرف والعنصرية.
ويشير إلى أنه قبل أن تخترق الحقيقة المحمدية حجب السماء، كان عليها أن تجتاز اختبار الأرض في أقسى صوره، فكان لا بد من تجربة الطائف التي جسّدت قمة الضيق الإنساني والمادي، حيث واجه الرسول، صلى االله عليه وسلم، القسوة المفرطة بالرحمة الواسعة، والجفاء الغليظ بالدعاء الرقيق، فصارت الحجارة التي أدمت قدميه الشريفتين سبباً في تفجر ينابيع الضراعة والصلة المطلقة بالله.
ويؤكد أنَّ النبي، صلى االله عليه وسلم، اختار طريق التسامح الصرف، مترفّعاً بقلبه عن حظوظ النفس وضيق الرغبة في الانتقام، ليتجلّى مقام التسامح، وانبعاث النور من جراح الطائف، إذ أثبت هذا الموقف أنَّ الروح التي تتسامح في ذروة الانكسار، هي الروح المؤهلة لارتياد آفاق الملكوت، فقد طهر التسامح القلب النبوي من كدورات العالم المادي، وعوالق الغضب، فغدا المحل الأنقى مستعدّاً لتلقّي فيوضات المعراج.
ويوضح أنَّ الصبر في الطائف كان هو التمهيد الروحي التي جعلت النفس خفيفة قادرة على الانفصال عن جاذبية الهموم الأرضية لتسبح في فضاءات النور القدسية، فمن يعفو في أزقة الطائف المظلمة، يمنحه الله، تعالى، حق الصعود إلى السماوات المضيئة، ليعلم العالم أنَّ التسامح هو أولى درجات الترقّي نحو الحق.
ويتابع: انتقلت الرحلة المباركة من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى، حيث تجلّى مقام التعايش في أبهى صوره الكونية، وأرقى معانيه الرحمانية، فاجتمع الأنبياء والرسل صَفاً واحداً خلف إمامهم المصطفى، صلى الله عليه وسلم، في مشهدٍ تاريخي يعلن وحدة المصدر الإلهي وتكامل الرسالات السماوية عبر العصور، وهو مشهد مثّلت فيه الصلاة إقراراً نبوياً بفضل السابقين، واحتضاناً لكل من حمل مشعل الهداية قبل الإسلام، مما جعل من المسجد الأقصى نقطة التقاء الحضارات والنبوات.
ويضيف الدكتور البيومي أنه قد تلاشت في رحاب القدس، بتلك الرحلة، الفوارق الزمنية بين الأجيال، وذاب الاغتراب في بوتقة العبودية للّه، جلا وعلا، فهو مقصود الكل، إذ أكد هذا التعايش الروحي بين الأنبياء أنَّ الوصول إلى الله، سبحانه، يستلزم قلباً يتسع للجميع، ويؤمن بوشائج القربى بين الخلق، فكانت إمامة النبي، صلى االله عليه وسلم، بمثابة صلة الوصل التي جمعت شتات القلوب في محرابٍ واحد، فصارت صلاة المسجد الأقصى رسالة للعالم بأنَّ الترقّي لا يكون بالإقصاء، وإنما بالتعايش والاعتراف بالآخر.
مطاوع
ويؤكد الدكتور علي مطاوع، أستاذ النقد والأدب بجامعة الأزهر، أنه في مثل هذه الأيام المباركة، ارتقى الكريم بحبيبه المصطفى، صلى االله عليه وسلم، إلى السماوات العلا، بعد أن يلجأ إليه ضارعاً تضرّعاً فيه كل مقومات الإيمان واليقين بالخالق العظيم، ودعاءَ الأمل والرجاء في «الكريم»؛ وقد فَقدَ أسباب البشر، فلجأ إلى السماء متوجهاً إلى الرحمن الرحيم، لِيُنْعِمَ عليه بخصيصة تفرّد بها على جميع الأنبياء والرسل: «معجزة الإسراء والمعراج».
ويوضح أنَّ المعجزة كانت مواساة للنبى، صلى االله عليه وسلم، بعد ما توالت عليه شدائد الأحداث، ليمسح أحزانها جميعاً، وينقل الله، تعالى، حبيبه ومصطفاه، صلى الله عليه وسلم، إلى عالم أرحب، وأفق أقدس وأطهر، فلئن مات عمه أبو طالب، وانتقلت أنيسته خديجة، رضي الله عنها، إلى جوار الله، عزّ وجلّ، فإنَّ عين الله ترعاه، وتحرسه وتصونه، ولئن ضاقت سبل الأرض، وسُدّت أبوابها، فهذه آفاقُ السماء مفتَّحة، وأبوابُها مشرّعةٌ، وطريقُ وُلُوجِها سهلةٌ، فما ودّعه ربه، وما قَلاه، ولا هَجرَهُ، ولا جَفاه.
ويتابع: لقد سمع الله، تعالى، ضراعة حبيبه، فأراد أن يُثبّت فؤاده، ويبيّن له أنَّ جفاء الأرض له لا يعني أنَّ السماء قد تخلت عنه، وأنه، سبحانه وتعالى، سيعوّضه عن جفاء الأرض بحفاوة السماء، وعن جفاء عالم الناس بعالم الملأ الأعلى، فأراه من آياته، ومن قدرته، ومن أسراره في كونه، ما زاد يقينه بأنَّ الله، عزّ وجلّ، قادر على نصرته، وأنه لن يتخلّى عنه، فكانت رحلة الإسراء والمعراج، لتنفتح أبواب السماوات فرحاً وبِشراً وحفاوةً بحبيب الرحمن، صلى الله عليه وسلم.
ويضيف أنَّ النبي، صلى االله عليه وسلم، مضى قُدماً في هذه الليلة المباركة على متن البراق، ومعه جبريل؛ الأمين الرفيق السماوي، ونزل عند المسجد الأقصى مقر الأنبياء والرسل، ليجتمع بهم الحبيب في قمة سماوية رفيعة، متقدماً الصلاة إماماً لهم، تأكيداً لعُلو نبوته، وأنها النبوة الخاتمة، مشيرا إلى أنَّ تقدير الله، عزّ وجلّ، لأن تكون رحلة الإسراء والمعراج من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لا يخلو من حكمة عظيمة وإشارة بليغة، فهذا المسار المخطط من قبل الله، عزّ وجلّ، قد ربط بين عقائد التوحيد الكبرى في أخوّة إنسانية واحدة، إمامها وأمينها رسول الإنسانية، صلى االله عليه وسلم، كما يربط بين الأماكن المقدّسة لعقائد التوحيد جميعاً في ميثاق إنساني خالد، حيث تؤكد الرحلة المباركة الترابط بين المقدّسات الإسلامية وأهمية الحفاظ عليها.