بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 كانون الأول 2025 12:00ص في سبيل معالجة معاناة الناس من ارتفاع تكاليف الدفن في بيروت.. المطلوب خطط ومشاريع تيسّر أمور الموتى.. الذين (عسَّرنا) حياتهم..؟!

حجم الخط
من الأمثال الشعبية المستحدثة التي باتت منتشرة في بلادنا، قول الناس (عم نعيش بذلّّ وبس نموت بذلّونا وبذلّوا أولادنا)، وذلك للتعبير عن الحالة المرفوضة التي يعاني منها الكثير منهم فيما يتعلق بموضوع تكاليف الدفن وما يرافقه من مستلزمات.
ومن باب توصيف الواقع فقط لا غير.. نقول إن بيروت وأهلها يقفون وحيدين في وجه هذه المعاناة، بينما باقي المناطق والمحافظات، أمور الدفن وما يرافقها من خطوات تعتبر شبه مجانية، كما أن جهود الأهالي تتكاتف في القرى للتخفيف عن أهل الميت والمساعدة في تجاوزه لتلك المصيبة.
أما في بيروت، فأهل من مات يعانون المرّ بل المرارات، إذ تعدّ تكلفة الدفن فيها فوق استطاعة المواطن الذي يرزح تحت خط الفقر بدرجات كبيرة، ويحمل فوق كاهله هموم كل شيء.. بما فيها هموم تكاليف دفن الميت..!؟
واقع مرير
طبعا.. لا ننكر أن الأمر ليس سهلا، فالغلاء الذي ضرب أطنابه في مختلف المجالات انعكست آثاره سلبا على كل الفئات والأعمال، و(تسونامي) الانقلاب المالي الذي حصل ترك مصائبه مستقرة في (إنسانية المواطن) وجعل من البلد بكل مؤسساته في معاناة كبيرة.. ولكن كل هذا لا يعني أبدا عدم السعي لإيجاد الحل بل الحلول الممكنة لأزمة يخاف منها كل بيت في بيروت..!؟
فمن أبرز فسلفة الدفن في الشريعة الإسلامية الغرّاء هو الحفاظ على كرامة الميت والحفاظ على خصوصيته، وعدم تعريض سمعته للإهانة، فكيف يتوافق هذا الهدف السامي مع ميت أهله عاجزون عند دفنه إلّا بعد تأمين (المبلغ المرقوم في بلدهم المأزوم)..!؟
أما أهل الميت فواجب الناس والمجتمع والمؤسسات المسؤولة أن يقدموا له كل الدعم الممكن ماديا ومعنويا، ولنا في رسول الله # الأسوة الحسنة، إذ حين جاءه نعي سيدنا جعفر رضي الله عنه عند استشهاده بمُؤتة قال صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعاما؛ فقد أتاهم أمرٌ يشغلهم»، وفي هذا التوجيه النبوي الشريف فوائد عدة:
منها.. الإشارة إلى انشغال أهل الميت بما أصابهم فأحزن نفوسهم وآلم قلوبهم، وليس عليهم الانشغال بأمور الدفن وإطعام الناس وأماكن العزاء..
ومنها.. عدم إرهاق كاهل أهل الميت المصابين بمصيبتهم، بما لا يطيقونه من أعباء مادية..
ومنها.. تأكيد وتقوية الأخوة الإيمانية بين المسلمين من خلال التعاضد والتساند والتكافل عند حدوث مصيبة الموت..
ومنها.. الحثّ للقادرين على التكفّل بمتطلبات أهل الميت.. لقوله صلى الله عليه وسلم (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)..
وغيرها من الفوائد التي لو طبقناها لكان حال المجتمع غير الحال الذي نعاني منه؟!
مشاريع ضرورية
وهنا لا بد لنا من السؤال.. هل من الصعب وضع خطة أو البدء في خطوات تُصاغ بحكمة لمعالجة هذه الأزمة..؟!
الجواب كلا ليس بصعب.. ولكن قبلها نحن بحاجة إلى رؤية تنموية متطورة تسعى لإعداد مشاريع واضحة وفعّالة تذلل هذه العقبات بطريقة واقعية وناجحة..
فلماذا - على سبيل المثال - لا يتم استحداث مشروع وقفي تنموي تحت اسم (القجة الوقفية)، بحيث يقوم كل مسلم بيروتي من خلاله بجمع المال في هذا الوعاء المخصص له على مدى سنوات وسنوات وبدفعات شهرية تتوافق مع قدراته المالية، ثم يقوم المسؤولون عند وصول مبلغ (القجة) إلى رقم محدد، بإخبار صاحبها بأنه يمكن تخصيص هذا المبلغ لدفن إنسان معيّن (من أهله أو أقاربه أو معارفه)، ويتم توثيق هذا الأمر بالطرق القانونية السليمة، وله أن يبدأ بعدها بتأسيس قجة ثانية وثالثة و... وكل قجة مخصصة لدفن إنسان معيّن حتى لو كان صاحب القجة نفسه.
كما يمكن أن يتم دعم هذا المشروع من خلال الميسورين من أهل الخير، فيقدمون بعض المبالغ أو يسعون للاستثمار فيها وتنميتها بحيث يعود قسم كبير من ريع أرباحها على أًصحاب (القجج) أنفسهم، فتتوسّع دائرة الخير في المجتمع ونحفظ للناس كراماتهم دون أن نكون رهائن الحاجة لواسطة أو لمحسوبية أو للتذلل في سبيل جمع تكاليف الدفن..؟!
لماذا - وأيضا على سبيل المثال - لا نبادر إلى إنشاء وقف خاص لدفن الموتى في بيروت، بحيث تكون إدارته تنمويةً تسعى لاستثمار كل ما فيه في سبيل تأمين هذا الأمر للمحتاجين من الفقراء والمساكين والمعوزين..؟!
ولماذا - وللمرة الثالثة على سبيل المثال - لا نفكر جدّيا في استثمار أماكن الدفن نفسها، بحيث نقوم بإنشاء المحلات التجارية الحديثة على أسوارها وتخصص إيرادات تلك المحلات لدعم صندوق الوقف المخصص لدفن الموتى..؟!
أيها السادة الكرام..
إن المشاريع التي يمكن أن نقوم بها كثيرة، والحلول الناجحة متوفرة، ولكن نريد السعي الحقيقي والجادّ، ونريد الرؤية التنموية النهضوية المستمرة في معالجة الأزمات التي نعاني منها، ولعلّ أهمها وأبرزها أزمة ارتفاع تكاليف الدفن في بيروت، ولم يعد من النافع ولا من المقبول في زماننا اعتماد الحلول الجزئية أو الآنية أو المرحلية، لأن الأزمات في بلادنا ليست جزئية ولا آنية ولا مرحلية، ومن المعلوم للجميع أن العلاج الناجح هو الذي يكون على مستوى خطورة الأزمة.
وأخيرا علينا جميعا أن نعلم تمام العلم.. أن غياب العلاج لهذه الأزمة بات يهدّد المواطن ليس فقط في خوفه من لحظة موت عزيز عليه.. بل يهدّده في إنسانيته وفي حسن انتمائه لبلده ولمجتمعه ولمؤسساته، فهل نحن عاملون..؟!
‏bahaasalam@yahoo.com