بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 كانون الأول 2025 12:00ص محمد بركات موسّع دائرة الرحمة الذي حوّل دموع الأيتام إلى سيمفونية أمل وفرح

حجم الخط
«أنا محمد بركات تبع دار الأيتام».. بهذه الكلمات البسيطة العميقة كان يُعرّف عن نفسه، رافضاً كل الألقاب والأوسمة التي حصدها، مُصرّاً على أن يبقى في ذاكرة الناس كما عرفوه: الرجل الذي أفنى حياته في خدمة الأيتام والمحتاجين، وحوّل المأساة إلى ملحمة إنسانية لا تُنسى.

• من سوق سرسق إلى العمل الإنساني

في منتصف الستينيات، جاء محمد بركات من سوق سرسق حيث عمل والده، يحمل خبرته في التسويق والترويج، وقلباً يفيض بالحلم. دخل «مؤسسات الرعاية الاجتماعية في لبنان – دار الأيتام الإسلامية» شاباً في الخامسة والعشرين عام 1961، في مكتب صغير بالطريق الجديدة لم يتغيّر على مرِّ السنين.
سرعان ما أدرك أن دار الأيتام لا تحتاج إلى بائع ماهر فحسب، بل إلى فنان يرسم البسمة على وجوه الأطفال الذين فقدوا كل شيء، وإلى بنّاء حضارة إنسانية. فكانت فلسفته واضحة وعبقرية: «لا أحد يتبرّع لمؤسسة مفلسة، المتبرّع يحبّ أن يدفع لمؤسسة ناجحة».
لكن النجاح بالنسبة له لم يكن في الأرقام فقط، بل في تحويل اليتامى من ضحايا يُشفق عليهم إلى أبطال يُلهمون المجتمع.

• عندما غنّى الألم: «علّوا البيارق»

في قلب الحرب الأهلية اللبنانية، عندما كانت بيروت رمادية بالنهار، أسيرة العتمة بالليل، ابتكر محمد بركات فكرة ثورية: لماذا لا نجعل الأطفال أنفسهم سفراء الفرح؟ لماذا لا نحوّل دموعهم إلى أغانٍ تملأ الشوارع؟
هنا جاء اللقاء المقدّر مع الفنان المبدع أحمد قعبور، ذلك الموسيقي الملتزم الذي غنّى للمقاومة وللأرض، فوجد في أطفال دار الأيتام مشروعه الأجمل. معاً، صنعا أغنية ستصبح رمزاً لرمضان اللبناني: «علّوا البيارق».
لم تكن مجرد أنشودة دينية، بل كانت صرخة حياة من أطفال فقدوا الكثير لكنهم رفضوا أن يفقدوا روحهم. أحمد قعبور كتب الكلمات ولحّنها، لكن السحر الحقيقي كان في أصوات الأطفال التي حملت براءة مخلوطة بألم، أملاً مرشوشاً بدموع جفت على الخدود.
«علّوا البيارق، رمضان قرّب وصل»... لم تكن مجرد كلمات، بل كانت إعلان وجود. كان الأطفال يقولون للعالم: نحن هنا، نحن أحياء، ونحن نستطيع أن نصنع الجمال.

• مواكب الخير.. مهرجان الكرامة الإنسانية

لم يكتفِ محمد بركات بالأغنية، بل صنع من رمضان مهرجاناً شعبياً يشبه سيمفونية الشارع البيروتي. الآليات والمقطورات المزينة بالفوانيس والأهلة كانت تجوب شوارع بيروت والمناطق، محملة بأطفال دار الأيتام وهم يغنون على أنغام قعبور.
كانت مواكب الخير تلك أكثر من احتفال، كانت علاجاً جماعياً وإعلاناً عن الحياة في وجه الموت. الناس الذين كانوا يرون المواكب تمرّ كانوا يبتسمون رغم الحرب، والأطفال الذين كانوا يغنون كانوا يشعرون بأنهم أبطال لا ضحايا.
«مرحى مرحى يا بيروت»، أغنية أخرى بكلمات الشاعر عبيدو ولحن قعبور، غنّاها الأطفال في عز الحرب: «بيروت رح بتضل للأيام عروسة الأمير، رمضان ع بابها الأعياد على جنابها». كانت نبوءة أمل، رسالة عناد ضد الموت.

• الاستعراضات الفنية: مسرح الكرامة

لم يتوقف عند الأغاني فقط. كان يؤمن بأن كل طفل يحمل فناناً بداخله، فصنع الاستعراضات الفنية الكبرى، حيث كان الأطفال يرقصون ويغنون ويمثلون. كانت المسارح تمتلئ بأطفال دار الأيتام وهم يؤدّون عروضاً فنية على أنغام أحمد قعبور.
هذه الاستعراضات لم تكن للتسلية فقط، بل كانت رسالة قوية: اليتيم يمكن أن يكون نجماً، يمكن أن يكون مصدر إلهام، يمكن أن يقف على خشبة المسرح والجمهور ينظر إليه بإعجاب لا بشفقة.

• إنجازات تلامس السماء

حين تسلّم محمد بركات إدارة دار الأيتام، كانت مؤسسة محدودة الإمكانيات. لكن بفضل رؤيته الثاقبة وإدارته الحكيمة، تحوّلت عبر خمسة عقود ونيّف إلى 56 مجمّعاً ومؤسسة منتشرة في أنحاء لبنان، تُقدّم خدماتها لآلاف المحتاجين.

• توسيع دائرة الرحمة

لم يكتفِ بخدمة الأيتام فقط، بل وسّع مظلة الرعاية لتشمل منظومة متكاملة تخدم المجتمع من المهد إلى اللحد:
- الأطفال المتسرّبين من المدارس وذوي الصعوبات التعلّمية.
- ذوي الإعاقات (الحسية والحركية والعقلية).
- النساء الأقل حظاً والأرامل.
- كبار السن والأسر المحتاجة.
- أطفال الأمهات العاملات.
- حديثي الولادة وكل من يحتاج إلى يد العون.

• فلسفة التمويل المحلي والاستقلالية

آمن محمد بركات بمبدأ راسخ: «المجتمع المحلي ينشئ المؤسسات الخيرية التي يريدها ويحتاج إليها ويموّلها». رفض الاعتماد على الدعم الخارجي، وأصرّ على أن يكون كل شيء من مصدر محلي، من أهالي بيروت ولبنان.
كان يؤمن أن الناس عندما ترى بعيونها ماذا تفعل المؤسسة، عندما ترى الأطفال يغنون في الشوارع ويقفون على المسارح، فإنها ستدعمها بسخاء. وهكذا كان.

• رسالة لا وظيفة

طوال 51 عاماً من العمل المتواصل، لم يأخذ محمد بركات راتباً واحداً. كان يقول ببساطة: «اعتبرته عملاً إنسانياً، ورسالة». هذا التفاني النادر يُجسّد قيمة الإخلاص الحقيقي للرسالة الإنسانية، ويضع معياراً جديداً للعطاء بلا حدود.
• التواضع رغم الأوسمة
حصل على أربعة أوسمة تكريماً لجهوده الاستثنائية، لكنه ظل متواضعاً كعادته. كان يقول: «التصاق اسم شخص بعمل معيّن، ليس من شأن الشخص. أنا لم أقل للناس عن نفسي».
وحين يسأله الناس عن نفسه، كان يجيب بفخر واضح: «أنا محمد بركات تبع دار الأيتام!»، لم يكن يريد أن يُعرف بشيء آخر، فهذا اللقب وحده كان يحمل كل معاني الفخر والإنجاز بالنسبة له.

• إرث يبقى.. وذكرى تُلهم

رحل عنا محمد بركات، لكنه ترك إرثاً إنسانياً خالداً سيظل شاهداً على عطائه وتفانيه. لم نفقد مديراً لمؤسسة خيرية فحسب، بل فقدنا رمزاً للعطاء الإنساني النقي، فناناً رسم الأمل بألوان الموسيقى والحب، رجلاً آثر الآخرين على نفسه وجعل من خدمة الضعفاء رسالة حياته.
المؤسسة التي بناها ستبقى شاهدة على عبقريته الإدارية وقلبه الكبير. كل يتيم وجد مأوى، كل طفل غنّى على خشبة مسرح، كل ذي إعاقة تلقّى رعاية، كل أرملة وجدت دعماً، كل محتاج أنقذته المؤسسة... كلهم يحملون بصمة محمد بركات.
وفي كل رمضان، عندما تصدح أصوات الأطفال بأغنية «علّوا البيارق»، نتذكّر أن الفرح الحقيقي ليس في غياب الألم، بل في القدرة على تحويل الألم إلى أغنية. نتذكر الرجل الذي علّم الأيتام كيف يحوّلون دموعهم إلى ينبوع متدفق من الفرح، وعلّم المجتمع أن أجمل الأغاني تأتي من أنقى القلوب وأكثرها ألماً.
رحمك الله يا محمد بركات، يا من علّمتنا أن النجاح الحقيقي ليس في تراكم الثروات، بل في عدد القلوب التي تدعو لك، وعدد الأرواح التي أنقذتها، وعدد الدموع التي حوّلتها إلى أغانٍ خالدة. لقد كنت نموذجاً يُحتذى في الإخلاص والتفاني والتواضع والإبداع.

* إعلامي وباحث في التراث الشعبي