بلال أحمد حجازي
تمرُّ علينا غدا الذكرى الرابعة والأربعين لرحيل رجل لم يكن مجرد إمام لمسجد، بل كان ميزانا للحق في زمن اختلّت فيه كل الموازين. في السادس والعشرين من نيسان عام 1982، امتدت يد الغدر لتغتال الشيخ أحمد عساف في عائشة بكار، في لحظة كانت فيها بيروت تذبح بصمت، ويحضر ذبح لبنان كله قبيل الاجتياح الإسرائيلي الغاشم بأسابيع.
أولاً: استهداف المشروع لا الشخص
عندما ننبش في أرشيف تلك المرحلة، ندرك أن رصاصات الغدر لم تستهدف الشيخ عساف لشخصه، بل استهدفت المشروع الذي كان يحمله بصلابة. كان الرجل صوتا مدويا يطالب بـ «بيروت منزوعة السلاح»، إيمانا منه بأن قوة العاصمة تكمن في هيبة الدولة وسلطة القانون، لا في فوضى المليشيات وسطوة الشارع.
ولم تكن تلك الجريمة إلّا فاتحة لمسلسل طويل من قطع الرؤوس المفكّرة؛ فبعد سنوات قليلة، وفي مشهد مشابه، غُيّب العلّامة الشيخ صبحي الصالح؛ ابن طرابلس البارّ وعالمها المجدّد، الذي كان يمثل مع الشيخ عساف جناحي الفكر المؤسساتي والقرار الوطني المستقل.
ثانياً: بين الأمس واليوم.. دروس الذاكرة الموجعة
اليوم، ومع انبعاث شعار «بيروت منزوعة السلاح» مجدّدا في أروقة القرارات الحكومية، يبرز السؤال الوجودي: هل تغيّرت الأدوات؟ أم أن استهداف قادة المكوّن السنّي تارة بالتصفية الجسدية وتارة بالتهميش السياسي هو الثابت الوحيد في معادلة الحكم في هذا الوطن؟
إن الربط بين دماء أحمد عساف في بيروت، ودماء صبحي الصالح التي نبتت من رحم الشمال، يؤكد أن المستهدف كان دائما هو المرجعية الوازنة التي ترفض الارتهان للمشاريع العابرة للحدود، وتأبى الانصياع لمنطق فائض القوة على حساب العيش المشترك.
خاتمة: بصراحة..
في هذه الذكرى، لا نكتفي برفع الصلوات على أرواح الشهداء، بل نرفع الصوت عاليا: إن سياسة إفراغ الساحة من الرموز لن تزيدنا إلّا تمسّكا بنهجهم. ستبقى عمامة الشيخ أحمد عساف، وفكر الشيخ صبحي الصالح، ودماء المفتي الشهيد حسن خالد، منارات ترشدنا في زمن الظلمة، وتذكّرنا بأن ضريبة الاعتدال غالية، لكنها وحدها الكفيلة ببناء وطن حقيقي؛ وطن لا تديره المليشيات، بل تسوده الدولة.
رحم الله شهدائنا الأبرار، وحمى الله لبنان بمدينتيه التوأم.. بيروت وطرابلس.