منذ سنوات وسنوات وأنا أطرح على نفسي عدة أسئلة..
ماذا أنتج الخطاب الديني في لبنان على مستوى الدعوة والثقافة والاجتماع والاقتصاد والتعليم وغيرها من المجالات..؟!
وما الذي قدّمه هذا الخطاب المنتشر في بلادنا من إنجازات في القضايا الكبرى التي تمثل حاجة إنسانية ضرورية لكل مواطن لبناني مسلما كان أو غير مسلم..؟!
وأيضاً.. أين هم الدعاة الذين يشكّلون حالة دعوية وثقافية لها هذا التأثير الإيجابي الواضح في شباب المجتمع من الذكور والإناث..؟!
بل وأين فضيلة الاجتهاد والعمل لصناعة المستقبل التي لا بد أن تكون ركنا أساسيا في فكرنا وأعمالنا..؟!
وحين أقول الخطاب الديني لا أتحدث هنا عن خطاب الدعاة من (أصحاب الدعوة الفئوية) إن صحّ التعبير، والتي خصّصت جهودها في تنمية أعداد التابعين وحُصرت أعمالها في أتباع جمعيتها أو جماعتها حتى بات أصحابها أشبه بـ(الدعوة قطاع خاص)، ولكن أتحدث عن (الداعية المسلم الإنسان) الذي انفتح على المجتمع بكل فئاته وأفراده وجماعاته، وعايش مشاكلها وهمومه، متخلّيا عن تلك النزعة (الاستعلائية السائدة عند مختلف رجال الدين) مقدّما للمجتمع ما ينفع من كلام وأفكار وأعمال.
للأسف ما وصلت إليه عبر مراقبة دؤوبة (من داخل المطبخ الدعوي) أو من خارجه - إذا صحّ القول -، هي حقيقة تصرخ أن الخطاب الديني في لبنان بات اليوم سلسلة من ردود الفعل الصدامية التي يتحكم بها الانفعال والتخبط بعيدا عن كل معالم الحضارة التي أمر بها هذا الدين العظيم؟!
أشخاص (معممون) يتصيّدون أي نقطة اختلاف بين البشر ليقيموا عليها الدنيا ولا يقعدوها، ويبحثون عن (ذرة) سوء تعبير في كلام أي متكلم في أي قضية (تافهة) ليفجّروا (سواد فكرهم) على ألسنتهم ثم ينشرونه في المجتمع وكأنه قضية وجودية مصيرية، وإن لم يجدوا سوء تعبير هنا أو هناك (اقتحموا عنوة) نوايا المتكلم وفسّروها كما يريدون ليبدأوا بعدها في توزيع التهم ونشر ثقافة التصادم بين أفراد المجتمع.
ضحالة فكر وخلل في الأولويات
ولا يظن أحد أننا نتهم هؤلاء، أو أن الكثيرين منهم يرتكبون هذه المفسدة عن سابق إصرارا وتعمّد، ولكن للأسف هذه هي حقيقة فكرهم الذي تربّوا عليه، وهذه هي الثقافة التي ترعرعوا عليها، ففي قوقعة ضحالة الفكر التي عاشوا فيها لسنوات وسنوات (معممين أو طلاب معممين) أصبحت القضية الأولى في حياتهم هي فقط.. إثبات خطأ الآخر (أي آخر كان) والكلام عنه وعن فساده وفسقه وعن كفره (طبعا من وجهة نظرهم)، ثم السعي لتثبيت هذه الضحالة في نفوس (الأتباع) وكأنها أصل من أصول الدين أو ركن من أركان الإيمان.. حنى نشأ بيننا جيل كامل من المعممين وطلابهم الذين لا همّ ولا مقصد ولا هدف لهم سوى الكلام عن كل آخر مختلف معهم، وإن لم يتكلموا عن الآخر المختلف معهم ازدادوا انغماسا في قوقعتهم، لينقلب الحديث بينهم عن أحقيتهم في امتلاك الإيمان وحصرية الحق في جماعتهم وأتباعهم.
لذلك - ونتيجة لفقر الفكر والعقل - لا يقدمون مشروعا حضاريا للمجتمع، ولا يعالجون قضية مصيرية في البلاد، ولا يعملون على محاربة ظلم بيّن واقع (وإن كان على أنفسهم)، ولا ينصرون لواء الكرامة الإنسانية بين الناس، لا لأنهم لا يريدون ولكن لأنهم لا يعرفون إلّا ما تربّوا عليه..؟!
ومن سمات هذا الخطاب الديني في بلادنا أيضا أنه يعاني من خلل في الأولويات، فالمتحدثون يقيمون الدنيا ولا يقعدونها على إنسان أنكر حديثا نبويا على مواقع التواصل الاجتماعي ويدعون لمحاكمته ويستبيحون كرامته وعرضه وأهله، أما أن ينكر مسؤول كرامة مواطن على مرأى ومسمع من أعينهم وأعين (شيخهم أو زعيمهم)، وأن يحرم إنسان من حقه في الطبابة أو العلاج أو العدل في أي أمر من أموره وأيضا أمام أعينهم، فلا تسمع لهم ولا لأسيادهم صوتا ولو حتى همسا..؟!
يستعدّون (لما يشبه الجهاد) إن أطلق جاهل (نكتة) على جماعتهم ويعتبرونها بمثابة إعلان بالحرب عليهم، أما أن يضيع البلد بأهله وتنهب مقدراته وتدمر خيراته وتسرق أموال الناس فيه، وأن يذلّ الناس ويهانوا وتستباح كراماتهم، وأن يموت الناس على أبواب المستشفيات... فهذا أمر لا علاقة لهم به وربما هو غير موجود أصلا في قاموسهم الفكري..؟!
وهكذا حتى أصبح الناس بكل همومهم في وادٍ... وهؤلاء المعممين في وادٍ آخر معاكس تماما.. ولا يلتقون إلّا في مناسبة عزاء أو في عقد قرآن، وحتى في المناسبتين السابقتين كثير من الناس تسمع بآذانها وترفض بفكرها وعقلها الكلام النمطي غير الواقعي الذي يقال فيهما..!؟
ولعلّ أخطر ما في الأمر كله هو جريمة تقديمهم الدين للناس كافة على أنه مجرد رأي سياسي.. أو مذهب سياسي.. من وافقه فهو مؤمن ومن خالفه فهو خبيث كافر، أضف إلى ذلك جريمة أخرى هي تقسيم الساحة إلى جماعات وجمعيات متناحرة متنافرة، كل واحدة منها تدّعي الحق و«تشيطن» غيرها، وإن كانت «غيرها» هذه.. من ملّتها ومذهبها ودينها...؟!
فبلله عليكم كيف سيؤمن الناس أنكم تتكلمون باسم الدين الحق، الذي أمر بالوحدة بين المسلمين فقال {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}...؟!
وكيف سيقتنعون أنكم تعملون بهدي النبي # الذي أوصانا فقال: (طُوبَى لِمَن جعَلَه لله مِفتاحاً للخير مِغلاقاً للشَّرِّ)..؟!
أيها المشاركون في (تشويه الخطاب الديني في بلادنا) من كل حدب وصوب...
تروي لنا الكتب أن عمر بن عبد العزيز بعد أن تولى الخلافة قال لزوجته فاطمة «ويحك يا فاطمة، قَدْ وُلِّيتُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا وُلِّيتُ، فَتَفَكَّرْتُ فِي الْفَقِيرِ الْجَائِعِ، وَالْمَرِيضِ الضَّائِعِ، وَالْعَارِي الْمَجْهُودِ، وَالْيَتِيمِ الْمَكْسُورِ، وَالْأَرْمَلَةِ الْوَحِيدَةِ وَالْمَظْلُومِ الْمَقْهُورِ وَالْغَرِيبِ وَالْأَسِيرِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَذِي الْعِيَالِ الْكَثِيرِ، وَالْمَالِ الْقَلِيلِ، وَأَشْبَاهِهِمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَأَطْرَافِ الْبِلَادِ، فَعَلِمْتُ أَنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ سَيَسْأَلُنِي عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ خَصْمِي دُونَهُمْ مُحَمَّدٌ -صلى لله عَلَيْهِ وَسلم-، فَخَشِيتُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لِي حُجَّةٌ عِنْدَ خُصُومَتِهِ، فَرَحِمْتُ نَفْسِي فَبَكَيْتُ»..
فما دمتم تبتسمون وتضحكون وتتنعمون والناس من حولكم في كرب عظيم.. فأنتم لم تدركوا عسر الحساب الذي ينتظركم نتيجة تضييع الأمانة..؟! ولا يغرّنكم كثرة المادحين أو «مقبلي الأيادي» من حولكم أو حتى تزايد عدد (المتباركين بلمسة يدكم الزكية..؟!)، لأنهم كـ«زينة الطعام» تراهم على كل الموائد ولكن لتحسين المنظر ليس إلّا...؟!
وصدّقوني... هذه هي الحقيقة التي لا ترغبون برؤيتها والاعتراف بها، وأخشى ما أخشاه أن يأتي يوم تجبرون فيه على مواجهتها، ولكن بعد فوات الأوان لأن النبي # قال عنكم (تكونُ دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَنْ أجابَهم إليها قذفوه فيها هم قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا يَتَكَلَّمُونَ بألسنتِنا)..؟!
bahaasalam@yahoo.com