بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 آذار 2026 12:00ص وجدانية في زمن رمضاني

حجم الخط
في زمنِ رمضاني حاضر، حين لا يهدأ صخبُ العالم ولا تخفتُ حدّةُ التفاصيل الصغيرة التي تستهلك أعمارَنا، كما القضايا الكبيرة، أشعر أن الروحَ تستعيد مركزَها، كأنها تعود إلى بيتها الأول بعد طولِ اغتراب. هنا، في عمقِ الحياة، يتردّد النداءُ القرآني: {وَاذْكُرُوا نِعمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}.
فأقف أمام نفسي وقفةَ مراجعة، وأتساءل: هل ما زال قلبي يردّدها بالصدقِ ذاته؟ هل ما زلتُ أقول: سمعنا وأطعنا، أم أنني أؤجّل الطاعةَ إلى حينٍ أكثرَ راحة؟
شهر رمضان ليس موسماً عابراً للعبادات، بل هو استدعاء للميثاق الأول، لذلك العهد الخفي بين العبد وربه، حين اختار أن يكون من أهل الإيمان. هو تذكير بأن النعمة ليست فقط في الرزق والصحة، بل في الهداية ذاتها، في أن يعرف الإنسان طريقه وسط هذا الضباب الكثيف من الفتن والتشويش. أن تكون قواماً الله، شاهداً بالقسط، يعني أن يكون ميزانك الداخلي مستقيماً حتى لو اختلت موازين الناس من حولك.
كم هو صعب أن نعدل حين نغضب، وأن ننصف حين نُجرح، وأن نقول كلمة الحق حين يجرنا الهوى إلى الانتقام. لكن الآية تقف في وجه انفعالاتنا: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. هنا يتجلّى الامتحان الحقيقي للتقوى؛ ليس في عدد الركعات، بل في صفاء الموقف، في قدرتك على أن تنتصر للعدل ولو على حساب رغبتك في الرد.
وفي ليالي رمضان، حين ينساب الدعاء من القلوب المرتعشة، ندرك أن الله عليم بذات الصدور. يعلم الخواطر التي لم ننطق بها، والنيّات التي تتشكل بصمت، والصراعات التي لا يراها أحد. هذا العلم الإلهي ليس تهديداً بقدر ما هو طمأنينة؛ لأن من يعلم ضعفك يعلم أيضاً صدق محاولتك.
ثم أتأمّل قوله تعالى: إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفّ أيديهم عنكم. كم من شر صرف عنا دون أن نشعر؟ كم من أذى كان يقترب فتولّته عناية الله بلطف خفي؟ نحن نعيش في حماية لا نراها، وتحت سقف رحمة لا ندرك حدوده.
رمضان يعلّمني التوكل بمعناه العميق: أن أبذل جهدي كاملاً، ثم أترك النتائج للّه. أن أؤمن أن وعده حق، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم. بين الخوف من التقصير والرجاء في المغفرة، ينضج القلب، ويتحرر من قسوته القديمة.
وهكذا يصبح رمضان عهداً متجدّداً، لا مجرد أيام تمضي. يصبح تربية للضمير، وتصحيحاً للوجهة، وعودة واعية إلى ذلك الصوت الداخلي الذي يقول بثقة المؤمن: سمعنا وأطعنا.
والحمد للّه رب العالمين.

د. غازي قانصو