حين تتحوّل المأساة إلى سوق للمضاربة.. من يحمي النازحين من جشع الإيجارات؟
د. رنا حطيط*
في كلّ أزمة يمرّ بها لبنان، يظهر وجهان للمجتمع: وجهٌ يتجلّى في التضامن وفتح البيوت وتقاسم الرغيف، ووجهٌ آخر يستثمر الألم ويحوّل معاناة الناس إلى فرصة لتحقيق الأرباح.
ومع موجات النزوح الداخلي الناتجة عن الاعتداءات والحروب، لم تعد معاناة آلاف اللبنانيين تقتصر على فقدان منازلهم، بل امتدّت إلى البحث عن مأوى في سوق إيجارات شهد في بعض المناطق ارتفاعات كبيرة لا تتناسب مع الواقع الاقتصادي ولا مع القيمة الفعليّة للعقارات. وهكذا وجد النازح نفسه أمام أزمة جديدة: كيف يؤمّن سقفاً يحفظ كرامته من دون أن يقع ضحيّة الاستغلال؟
قد يكون ارتفاع الطلب على الشقق سبباً طبيعياً لزيادة الأسعار، لكنّ المشكلة تبدأ عندما تتحوّل الحاجة الإنسانيّة إلى سلعة. فقد استغل بعض المالكين غياب البدائل، فرفعوا بدلات الإيجار بصورة مبالغ فيها، واشترطوا دفعات مُسبقة أثقلت كاهل عائلات نزحت قسراً وفقدت مصادر دخلها واستقرارها. وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والقانوني: هل يجوز أن يدفع الإنسان ثمن نجاته من الحرب بسعر مضاعف؟
لا خلاف على أن الملكيّة الخاصّة حق يحميه القانون، لكن هذا الحق لا يُمارس بمعزل عن المبادئ القانونيّة الّتي تحكم العلاقات التعاقديّة، وفي مقدّمتها حُسن النيّة وعدم التعسّف في استعمال الحق. فالفرق كبير بين تعديل الأسعار وفق معطيات السوق، وبين استغلال حالة اضطراريّة لا يملك فيها الطرف الآخر حرية الاختيار.
كما أنّ مبادئ حماية المستهلك في لبنان لا تقتصر على السلع الماديّة، بل تهدف إلى حماية الطرف الأضعف في العلاقة الاقتصاديّة، وضمان الشفافيّة ومنع الاستغلال. وقد جاء قانون حماية المستهلك رقم 659/2005 ليكرّس هذه المبادئ ويحمي الحقوق الاقتصاديّة للمواطنين، وهو ما يفرض مقاربة أزمة الإيجارات في ظروف النزوح باعتبارها قضيّة تتعلّق بالعدالة الاجتماعيّة، لا بمجرّد علاقة تعاقديّة خاصّة.
ولا تقع المسؤوليّة على بعض المالكين وحدهم، بل تمتد إلى الدولة ومؤسّساتها. فالبلديّات، بحكم قربها من المواطنين، مطالبة برصد واقع الإيجارات، واستقبال الشكاوى، والتنسيق مع الجهات المعنية للحدّ من الفوضى. كما تتحمّل وزارة الاقتصاد مسؤوليّة تعزيز الرقابة على الممارسات الاستغلاليّة ضمن صلاحياتها، فيما يبقى القضاء المرجع الأخير لحماية الحقوق، وإن كانت سرعة المعالجة في مثل هذه الظروف لا تقلّ أهميّة عن العدالة نفسها.
ورغم هذا الواقع، لا يمكن تجاهل النماذج المشرّفة لأصحاب منازل فتحوا أبوابهم للنازحين أو خفّضوا بدلات الإيجار مراعاةً للظروف الإنسانيّة. هؤلاء يثبتون أنّ التضامن لا يزال حاضراً، وأنّ الأزمات تكشف معادن الناس كما تكشف أداء المؤسّسات.
إنّ حماية النازحين لا تعني المساس بحقوق المالكين، بل تحقيق التوازن بين حق الملكيّة وحق الإنسان في السكن بكرامة. فحين تغيب الرقابة، يتحوّل الاستغلال إلى واقع مفروض، ويدفع المواطن الثمن مرّتين: مرّة بالنزوح، ومرّة بثمن المأوى. لذلك، فإنّ الوطن لا يُقاس فقط بعدد البيوت الّتي بقيت قائمة، بل بقدرته على حماية الإنسان عندما يفقد بيته.
* أستاذة أكاديميّة وخبيرة دوليّة في التكنولوجيا التربويّة والذكاء الاصطناعي






